تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 143

مساهمون:

ص١٤٣
الاعتقاد بالقضاء يؤده الدليل القاطع ، بل ترشد إليه الفطرة ، وسهل على من له فكر أن يلتفت إلى أن كل حادث له سبب يقاربه في الزمان ، وأنه لا يرى من سلسلة الأسباب إلا ما هو حاضر لديه ولا يعلم ماضيها إلا مبدع نظامها ، وأن لكل منها مدخلًا ظاهراً فيما بعده بتقدير العزيز العليم . وإرادة الإنسان إنما هي حلقة من حلقات تلك السلسلة . وليست الإرادة إلا أثرًا من آثار الإدراك . والإدراك انفعال النفس بما يعرض على الحواس . وشعورها بما أودع في الفطرة من الحاجات . فلظواهر الكون من السلطة على الفكر والإرادة ما لا ينكره أبله ، فضلًا عن عاقل ، وإن مبدأ هذه الأسباب التيترى في الظاهر مؤثرة إنما هو بيد مدبّر الكون الأعظم الذي أبدع الأشياء على وفق حكمته ، وجعل كل حادث تابعًا لشبهه كأنه جزاء له خصوصا في العالم الإنساني . ولو فرضنا أن جاهلًا ضلّ عن الاعتراف بوجود إله صانع للعالم فليس في إمكانه أن يتملص من الاعتراف بتأثير الفواعل الطبيعية والحوادث الدهرية في الإرادات البشرية ، فهل يستطيع إنسان أن يخرج بنفسه عن هذه السنة التي سنّها الله في خلقه ؟ هذا أمر يعترف به طلاب الحقائق فضلًا عن الواصلين ، وإن بعضًا من حكماء الإفرنج وعلماء سياستهم التجأوا إلى الخضوع لسلطة القضاء ، وأطالوا البيان في إثباتها ، ولسنا في حاجة إلى الاستشهاد بآرائهم . إن للتاريخ علمًا فوق الرواية عني بالبحث فيه العلماء من كل أمّة وهو العلم الباحث عن سير الأمم في صعودها وهبوطها وطبائع الحوادث العظيمة وخواصها ، وما ينشأ عنها من التغيير والتبديل في العادات والأخلاق والأفكار ، بل في خصائص الإحساس الباطن والوجدان ، وما يتبع ذلك كلّه من نشأة الأمم ، وتكوّن الدول ، أو فناء بعضها واندراس أثره . هذا الفن الذي عدوه من أجلّ الفنون الأدبية وأجزلها فائدة بناء البحث فيه على الاعتقاد بالقضاء والقدر ، والإذعان بأن قوى البشر في قبضة مدبر للكائنات ، ومصرف للحادثات ، ولو استقلت قدرة البشر بالتأثير ما انحط رفيع ، ولا ضعف قوي ، ولا انهدم مجد ، ولا تقوّض سلطان .
العروة الوثقى — صفحة 143 | سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني / الشيخ محمد عبده