يستبدلوا بها رابطة الجنس التي يبالغون في تعظيمها واحترامها حمقًا منهم وسفاهة ، فمثلهم كمثل من هدم بيته قبل إن يهيىء لنفسه مسكنًا سواه ، فاضطر للإقامة بالعراء معرضًا لفواعل الجو وما تصول به على حياته . من هذا ما سلك الإنجليز في الهند لما أحسوا بالعراء بخيال السلطنة يطوف على أفكار المسلمين منهم لقرب عهدها بهم وفي دينهم ما يبعثهم على الحركة إلى استرداد ما سُلب منهم ، وأرشدهم البحث في طبائع الملل إلى أن حياة المسلمين قائمة على الوصلة الدينية ، وما دام الاعتقاد المحمدي والعصبة الملية سائدة فيهم فلا تؤمن بعثتهم إلى طلب حقوقهم ، فاستهووا طائفة ممن يتسمون بسمة الإسلام ، ويلبسون لباس المسلمين ، وفي صدورهم غلّ ونفاق وفي قلوبهم زيغ وزندقة ، وهم المعروفون في البلاد الهندية بالنيجرية - أي الدهريين - فاتخذهم الإنجليز أعوانًا لهم على فساد عقائد المسلمين ، وتوهين علائق التعصب الديني ليطفئوا بذلك نار حميتهم ويخمدوا ثائرة غيرتهم ، ويبددوا جمعهم ، ويمزقوا شملهم ، وساعدوا تلك الطائفة على إنشاء مدرسة كبيرة في ( عليكر ) ونشر جريدة لبثّ هذه الأباطيل بين الهنديين حتى يعمّ الضعف في العقائد وترث أطناب الصلات بين المسلمين فيستريح الإنجليز في التسلط عليهم ، وتطمئن قلوبهم من جهتهم كما اطمأنت من جهة غيرهم ، وغر أولئك الغفّل المتزندقين أن رجال دولة بريطانيا يظهرون لهم رعاية صورية ، ويذنونهم من بعض الوظائف الخسيسة ( تعس من يبيع ملته بلقمة وذمته برذال العيش ) . هذا أسلوب من السياسة الأوروپية أجادت الدول اختباره وجنت ثماره ، فأخذت به الشرقيين لتنال مطامعها فيهم ، فكثير من تلك الدول نصبت الحبائل في البلاد العثمانية والعصرية وغيرها من الممالك الإسلامية ، ولم تعدم صيدًا من الأمراء والمنتسبين إلى العلم والمدنية الجديدة ، واستعملتهم آلة في بلوغ مقاصدها من بلادهم ، وليس عجبنا من الدهريين والزنادقة ممن يتسترون بلباس الإسلام أن يميلوا مع هذه الأهواء الباطلة ، ولكنّا نعجب من أن بعضًا من سذّج المسلمين مع بقائهم على عقائدهم وثباتهم في إيمانهم يسفكون الكلام في ذم التعصب الديني ويهجرون في رمي المتعصبين بالخشونة ، والبعد عن معدات المدنية الحاضرة ، ولا
العروة الوثقى — صفحة 137
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص١٣٧