تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 136

مساهمون:

ص١٣٦
من العدل إلى اليوم ، ( فسحقاً لقوم يظنون أن المسلمين بتعصبهم يمنعون مخالفيهم من حقوقهم ) . لم يسلك المسلمون من عهد قريب المسلك الإلزام بدينهم والإجبار على قبوله مع شدّة بأسهم في بدايات دولهم ، وتغلغلهم في افتتاح الأقطار ، واندفاع هممهم للبسطة في الملك والسلطة ، وإنما كانت لهم دعوة يبلغونها ، فإن قبلت وإلا استبدلوا بها رسمًا ماليا يقوم مقام الخراج عند غيرهم مع رعاية شروط عادلة تعلم من كتب الفقه الإسلامي ، هذا على خلاف متنصرة الرومانيين واليونانيين أيا شوكتهم الأولى ، فإنّهم ما كانوا يطئون أرضًا إلا ويلزمون أهلها بخلع أديانهم ، والتطوق بدين أولئك المسلطين وهو الدين المسيحي كما فعلوا في مصر وسوريا ، بل في البلاد الإفرنجية نفسها . هذا فصل من الكلام ساق إليه البيان وفيه تبصرة لمن يتبصّر ، وتذكرة لمن يتذكّر ، ثم أعود بك إلى سابق الحديث فيما كنا بصدده : هل لعاقل لم يصب برزيئة في عقله أن الاعتدال من التعصب الديني نقيصة ؟ وهل يوجد فرق بينه وبين التعصب الجنسي إلا بما يكون به التعصب الديني أقدس وأطهر وأعم فائدة ؟ لا نخال عاقلًا يرتاب في صحة ما قررناه فما لأولئك القوم يهذرون بما لا يدرون ؟ أي أصل من أصول العقل يستندون إليه في المفاخرة والمباهاة بالتعصب الجنسي فقط ، واعتقاده فضيلة من أشرف الفضائل ، ويعبرون عنه بمحبة الوطن ، وأي قاعدة من قواعد العمران البشري في التهاون بالتعصب الديني المعتدل وحسبانه نقيصة يجب الترفع عنها ؟ نعم إن الإفرنج تأكد لديهم أن أقوى رابطة بين المسلمين إنما في الرابطة الدينية ، وأدركوا أن قوتهم لا تكون إلا بالعصبية الاعتقادية ، ولأولئك الإفرنج مطامع في ديار المسلمين وأوطانهم ، فتوجهت عنايتهم إلى بثّ هذه الأفكار الساقطة بين أرباب الديانة الإسلامية وزينوا لهم هجر هذه الصلة المقدسة وفصم حبالها ، لينقضوا بذلك بناء الملة الإسلامية ويمزقوها شيعًا وأحزابًا ، فإنهم علموا كما علمنا ، وعلم العقلاء أجمعون‌أن المسلمين لا يعرفون لهم جنسية إلا في دينهم واعتقادهم ، وتسنى للمفسدين نجاح في بعض الأقطار الإسلامية ، وتبعهم بعض الغفل من المسلمين جهلًا وتقليدًا فساعدوهم على التنفير من العصبية الدينية بعدما فقدوها ولم