الأمم في التوحش والقسوة والخشونة ، وسما بها إلى أرقى مراقي الحكمة والمدنية في أقرب مدة ، وهي الأمة العربية . قد يطرأ على التعصب الديني من التغالي والإفراط مثل ما يعرض على التعصب الجنسي فيقضي إلى ظلم وجور ، ربما يؤدي إلى قيام أهل الدين لإبادة مخالفيهم ومحق وجودهم ، وكما قامت الأمم الغربية واندفعت على بلاد الشرق لمحض الفتك والإبادة لا للفتح ولا للدعوة إلى الدين في الحرب الهائلة المعروفة بحرب الصليب ، وكما فعل الإسپانيون بمسلمي الأندلس ، وكما وقع قبل هذا وذاك في بداية ما حصلت الشوكة للدين المسيحي ، إن صاحب السلطان من المسيحيين جمع اليهود في القدس وأحرقهم ، إلا إن هذا العارض لمخالفته لأصول الدين قلما تمتد له مدة ، ثم يرجع أرباب الدين إلى أصوله القائمة على قواعد السلم والرحمة والعدل . أما أهل الدين الإسلامي فمنهم طوائف شطت في تعصبها في الأجيال الماضية إلا أنه لم يصل بهم الإفراط إلى حد يقصدون فيه الإبادة وإخلاء الأرض من مخالفيهم في دينهم ، وما عهد ذلك في تاريخ المسلمين بعدما تجاوزوا حدود جزيرة العرب ، ولنا الدليل الأقوم على ما نقول ، وهو وجود الملل المختلفة في ديارهم إلى الآن حافظة لعقائدها وعوائدها من يوم تسلطوا عليها وهم في عنفوان القوة وهي في وهن الضعف ، نعم كان للمسلمين ولع بتوسيع الممالك وامتداد الفتوحات وكانت لهم شدة على من يعارضهم في سلطانهم ، إلا أنهم كانوا مع ذلك يحفظون حرمة الأديان ، ويرعون حق الذمة ، ويعرفون لمن خضع لهم من الملل المختلفة حقه ، ويدفعون عنه غائلة الدوان ، ومن العقائد الراسخة في نفوسهم : ( أن من رضي بذمتنا فله ما لنا وعليه ما علينا ) . ولم يعدلوا في معاملتهم لغيرهم عن أمر الله في قوله : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ ولَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ والْأَقْرَبِينَ » [ النساء :
135 ] ، اللّهم إلا ما لا تخلو عنه الطبائع البشرية . ومن نشأة المسلمين إلى اليوم لم يدفعوا أحدًا من مخالفيهم عن التقدم إلى ما يستحقه من علو الرتبة وارتفاع المكانة ، ولقد سما في دول المسلمين على اختلافها إلى المراتب العالية كثير من أرباب الأديان المختلفة ، وكان ذلك في شبيبتها وكمال قوّتها ، ولم يزل الأمر على ما كان ، وفي الظن أن الأمم الغربية لم تبلغ هذه الدرجة
العروة الوثقى — صفحة 135
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص١٣٥