عند الاعتدال ولم يدفع إلى جور في المعاملة ، ولا انتهاك لحرمة المخالف لهم أو نقض لذمته ، فهو فضيلة من أجلّ الفضائل الإنسانية ، وأوفرها نفعًا وأجزلها فائدة بل هو أقدس رابطة وأعلاها ، إذا استحكمت صعدت بذوي المكنة فيها إلى أوج السيادة وذروة المجد ، خصوصًا إن كانوا من قبيل قوي فيهم سلطان الدين . واشتدت سطوته على الأهواء الجنسية حتى أشرف بها على الزوال كما في أهل الديانة الإسلامية ، على ما أشرنا إليه في العدد الثاني من جريدتنا . ولا يؤخذ علينا في القول بأنه من أقدس الروابط ، فإنه كما يطمس رسوم الاختلاف بين أشخاص وآحاد متعددة ، ويصل ما بينهم في المقاصد والعزائم والأعمال ، وكذلك يمحو أثر المنابذة والمنافرة بين القبائل والعشائر ، بل الأجناس المتخالفة في المنابت واللغات والعادات ، بل المتباعدة في الصور والأشكال ، ويحول أهواءها المتضاربة إلى قصد واحد ، وهو تأصيل المجد وتأييد الشرف ، وتخليد الذكر تحت الاسم الجامع لهم . هذا الأثر الجليل عهد لقوة التعصب الديني ، وشهد عليه التاريخ بعدما أرشد إليه العقل الصحيح ، وما كانت رابطة الجنس لتقوى على شيء منه . ثغثغ جماعة من متزندقة هذه الأوقات في بيان مفاسد التعصب الديني وزعموا أن حمية أهل الدين لما يؤخذ به أخوالهم من ضيم ، وتضافرهم لدفع ما يلم بدينهم من غاشية الوهن والضعف هو الذي يصدهم عن السير إلى كمال المدنية ، ويحجبهم عن نور العلم والمعرفة ، ويرمي بهم في ظلمات الجهل ، ويحملهم على الجور والظلم والعدوان على من يخالفهم في دينهم ، ومن رأي أولئك المثغثغين أن لا سبيل لدرء المفاسد واستكمال المصالح إلا بانحلال العصبية الدينية ومحو أثرها ، وتخليص العقول من سلطة العقائد وكثيرًا ما يرجفون بأهل الدين الإسلامي ، ويخوضون في نسبة مذام التعصب إليهم . كذب الخراصون ، إن الدين أول معلم وأرشد أستاذ وأهدى قائد للأنفس إلى اكتساب العلوم والتوسع في المعارف ، وأرحم مؤدب وأبصر مروّض بطبع الأرواح على الآداب الحسنة ، والخلائق الكريمة ، ويقيمها على جادة العدل ، وينبه فيها حاسة الشفقة والرحمة ، خصوصًا دين الإسلام فهو الذي رفع أمة كانت من أعرق
العروة الوثقى — صفحة 134
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص١٣٤