تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 133

مساهمون:

ص١٣٣
وإن بقيت آحادها ، فما هي إلا كالأجزاء المتناثرة ، إما أن تتصل بأبدان أخرى بحكم ضرورة الكون ، وإما أن تبقى في قبضة الموت إلى أن ينفخ فيها روح النشأة الأخرى . ( سنّة الله في خلقه ) إذ ضعفت العصبية في قوم رماهم الله بالفشل ، وغفل بعضهم عن بعض ، وأعقب الغفلة تقطّع في الروابط ، وتبعه تقاطع وتدابر فيتّسع للأجانب والعناصر الغريبة مجال التداخل فيهم ، ولن تقوم لهم قائمة من بعد حتى يعيدهم الله كما بدأهم بإفاضة روح التعصب في نشأة ثانية . نعم إن التعصب وصف كسائر الأوصاف ، له حد اعتدال وطرفا إفراط وتفريط ، واعتداله هو الكمال الذي بيّنا مزاياه والتفريط فيه هو النقص الذي أشرنا لرزاياه ، والإفراط فيه مذمة تبعث على الجور والاعتداء . فالمفرط في تعصبه يدافع عن الملتحم به بحق وبغير حق ، ويرى عصبته منفردة باستحقاق الكرامة ، وينظر إلى الأجنبي عنه كما ينظر إلى الهمل ، لا يعترف له بحق ، ولا يرعى له ذمة ، فيخرج بذلك عن جادة العدل ، فتنقلب منفعة التعصب إلى مضرة ويذهب بهاء الأمة ، بل يتقوّض مجدها ، فإن العدل قوام الاجتماع الإنساني ، وبه حياة الأمم ، وكل قوة لا تخضع للعدل فمصيرها إلى الزوال ، وهذا الحدّ من الإفراط في التعصب هو الممقوت على لسان الشارع صلى الله عليه وسلم في قوله : « ليس منّا من دعا إلى عصبية » . التعصب كما يُطلق ويُراد منه النعرة على الجنس ، ومرجعها رابطة النسب والاجتماع في منبت واحد كذلك توسّع أهل العرف فيه ، فأطلقوا على قيام الملتحمين بصلة الدين لمناصرة بعضهم بعضًا ، والمتنطعون من مقلدة الإفرنج يخصون هذا النوع منه بالمقت ، ويرمونه بالتعس ، ولا نخال مذهبهم هذا مذهب العقل . فإن لحمة يصير بها المتفرقون إلى وحدة ، تنبعث عنها قوة لدفع الغائلات ، وكسب الكمالات ، لا يختلف شأنها إذا كان مرجعها الدين أو النسب ، وقد كان من تقدير العزيز العليم وجود الرابطتين في أقوام مختلفة من البشر ، وعن كل منهما صدرت في العالم آثار جليلة يفتخر بها الكون الإنساني ، وليس يوجد عند العقل أدنى فرق بين مدافعة القريب عن قريبه ، ومعاونته على حاجات معيشته ، وبين ما يصدر من ذلك عن المتلاحمين بصلة المعتقد ورابطة المشرب . فتعصب المشتركين في الدين المتوافقين في أصول العقائد بعضهم لبعض إذا وقف
العروة الوثقى — صفحة 133 | سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني / الشيخ محمد عبده