التعصب قيام بالعصبية ، والعصبية من المصادر النسبية ، نسبة إلى العصبة ، وهي قوم الرجل الذين يعززون قوّته ، ويدفعون عنه الضيم والعداء ، فالتعصب وصف للنفس الإنسانية ، تصدر عنه نهضة لحماية من يتصل بها والذود عن حقه ، ووجوه الاتصال تابعة لأحكام النفس في معلوماتها ومعارفها . هذا الوصف هو الذي شكل الله به الشعوب ، وأقام بناء الأمم ، وهو عقد الربط في كل أمة ، بل هو المزاج الصحيح يوحّد المتفرّق منها تحت اسم واحد ، أو ينشئها بتقدير الله خلقًا واحدًا ، كبدن تألّف من أجزاء وعناصر ، تدبره روح واحدة ، فتكون كشخص يمتاز في أطواره وشئونه وسعادته وشقائه عن سائر الأشخاص . وهذه الوحدة هي مبعث المباراة بين أمة وأمة ، وقبيل وقبيل ، ومباهاة كل من الأمتين المتقابلتين بما يتوفر لها من أسباب الرفاهة وهناءة العيش ، وما تجمعه قواها من وسائل العزّة والمنعة ، وسمو المقام ونفاذ الكلمة ، والتنافس بين الأمم كالتنافس بين الأشخاص . أعظم باعث على بلوغ أقصى درجات الكمال في جميع لوازم الحياة بقدر ما تسعه الطاقة . التعصب روح كلي مهبطه هيئة الأمة وصورتها ، وسائر أرواح الأفراد حواسه ومشاعره فإذا ألم بأحد المشاعر ما لا يلائمه من أجنبي عنه انفعل الروح الكلي ، وجاشت طبيعته لدفعه ، فهو لهذا مثار الحمية العامة ، ومسعر النعرة الجنسية . هذا هو الذي يرفع نفوس آحاد الأمة عن معاطاة الدنايا وارتكاب الخيانات فيما يعود على الأمة بضرر ، أو يؤول بها إلى سوء عاقبة ، وإن استقامة الطباع ورسوخ الفضيلة في أمة تكون على حسب درجة التعصب فيها والالتحام بين آحادها . يكون كل منهم بمنزلة عضو سليم من بدن حي ، لا يجد الرأس بارتفاعه غنى عن القدم ، ولا يرى القدمان في تطرفهما انحطاطًا في رتبة الوجود وإنما كل يؤدي وظائفه لحفظ البدن وبقائه . وكلما ضعفت قوة الربط بين أفراد الأمة بضعف التعصب فيهم استرخت الأعصاب ، ورثت الأطناب ، ورقت الأوتار ، وتداعى بناء الأمة إلى الانحلال كما يتداعى بناء البنية البدنية إلى الفناء ، بعد هذا يموت الروح الكلي ، وتبطل هيئة الأمة
العروة الوثقى — صفحة 132
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص١٣٢