التَّعَصُّب
« اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ولا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ » [ الأعراف : 3 ] لفظ شغل مناطق الناس خصوصًا في البلاد المشرقية ، تلوكه الألسن وترمي به الأفواه في المحافل والمجامع حتى صار تكأة [ 1 ] للمتكلمين ، يلجأ إليه العييي [ 2 ] في تهتهته [ 3 ] ، والذملقاني [ 4 ] في تفيهقه [ 5 ] أخذ هذا اللفظ بمواقع التعبير فقلما تكون عبارة إلا وهو فاتحتها أو حشوها أو خاتمتها ، يعدون مسماه علّة لكل بلاء ، ومنبعًا لكل عناء ، ويزعمونه حجابًا كثيفًا وسدا بين المتّصفين به وبين الفوز والنجاح ، ويجعلونه عنوانًا على النقص وعلمًا للرذائل ، والمتسربلون بسرابيل الإفرنج الذاهبون في تقليدهم مذاهب الخبط والخلط لا يميزون بين حق وباطل ، هم أحرص الناس على التشدّق بهذا البدع الجديد ، فتراهم في بيان مفاسد التعصب يهزون الرؤوس ويعبثون باللحى ويبرمون السبال ، وإذا رموا به شخصًا للحط من شأنه أردفوه للتوضيح بلفظ إفرنجي ( فنأتيك ) [ 6 ] ، فإن عهدوا بشخص نوعًا من المخالفة لمشربهم عدّوه متعصبًا ، وهمزوا به وغمزوا ولمزوا ، وإذا رأوه عبسوا وبسروا ، وشمخوا بأنوفهم كبرًا وولوه دبرًا ، ونادوا عليه بالويل والثبور ، ماذا سبق إلى أفهامهم من هذا اللفظ ، وماذا اتصل بعقولهم من معناه حتى خالوه مبدأ لكل شناعة ، ومصدرًا لكل نقيصة ، وهل لهم وقوف على شيء من حقيقته ؟
هامش
[ 1 ] . التكأة : مايتوكأ عليه .
[ 2 ] . العيي : من العي وهو العجز عن الكلام .
[ 3 ] . التهتهة : ضرب من اللكنة .
[ 4 ] . الذملقاني : السريع الكلام .
[ 5 ] . التفيهق : التوسع والتنطع .
[ 6 ] . معناها : متعصب .