نزاع بين رجال السياسة الإنجليزية وبعضهم يدفع الحكومة للاستيلاء على مصر وإعلان السيادة عليها واستلام أزمة أحكامها ، وآخرون يقولون هذا مما يخالف أحكام الأمم ، ولا تسوغه شريعة الوفاء ، وإنما علينا أن نحل بها عساكرنا زمنًا يكفي لقضاء ما نريده فيها ، ثم نخليها إذا لم يوجد موجب يحتّم البقاء .
عبارات مختلفة ، ومَعان متشابهة ، يتنازعون وهم متوافقون ، ويتخالفون وهم متّحدون ، يذهبون في انتحال الأسباب لما يبتغون مذاهب مختلفة ، فبعض الجرائد كجريدة « التايمز » وما على مشربها تعتل بالچنرال چوردون وتهون ما حل به من الفشل وتتقدم إلى الحكومة الإنجليزية بطلب إنقاذه من الخطر ولا وسيلة لخلاصه إلا إعلان الحكومة بالسيادة على البلاد المصرية ، فلهذا الإعلان من القوة المعنوية التي تدافع عن الچنرال ما ليس لجيش عرمرم ، أما إرسال الجيوش فهو محال لو عورة السبل وكثرة النفقات وشدّة الحرارة ، ولئن همّت به الحكومة فإنما يكون من أعمال اليأس والقنوط ، فهذه الجرائد جعلت هذه المصالح الدولية وحقوق الدولة العثمانية وحقوق ستة ملايين من سكان القطر المصري ، فداء لرأس الچنرال چوردون . وفي زعمها أن ما تراه ليس رأيًا يبديه أرباب الجرائد ، بل هو ما تراه الأمة البريطانية بأسرها ، وربما لا يكون بعيدًا ، وبعض الجرائد وتشاركهم جريدة « التايمز » تتذرع فيما تطب بما حصل لأرباب الديون المصرية من القلق على ديونهم ، وليس لهم ضمانة ترفع قلقهم ، وتسكن اضطرابهم ، إلا إعلان السيادة على القطر المصري وقوم آخرون منهم يجعلون حجتهم مصائب الأهالي المصريين ورزاياهم وما حلّ ببلادهم من احتلال ، ولا ينقذهم من هذا الشقاء إلا السيادة الإنجليزية ، جميعهم على وفاق على أن هذه السيادة هي الجوهر الثمين والسرّ المكنون ، والإكسير المضنون به على غير أهله ، متى أبرزوه لم يبق مريض إلا عوفي ، ولا ضعيف إلا قوي ، ولا فاسد إلا صلح ، كأن في هذا الاسم ما في الرقي والطلاسم ، يغني عن الجيوش والأموال والعدة والرجال . ولا نظن أن يكون في هذا الاسم ما يدعيه الإنجليز من القوة ولا أن تكون في طبه هذه الأسرار العجيبة ، ولو أننا فرضنا تنازل أرباب الحقوق عن حقوقهم من الدول الأوروپية والدولة العثمانية وأرباب الشأن والولاية ، وسوغوا لحكومة إنجلترا أن
العروة الوثقى — صفحة 129
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص١٢٩