سبات من له حق وحراك مَنْ لا حق له
هذه أول أوروپا جميعًا ودولة فرنسا خصوصًا شاخصة الأبصار إلى ما أصاب مصالحها وأضاع حقوقها في القطر المصري وأضر بتجارتها فيه ، ولا تبدي حركة ولا يسمع لها صوت ، إلا همس خفي في الجرائد ، والدولة العثمانية وهي شديدة الأزر قوية العضد بما لها من المكانة في قلوب الهنديين ، وكل إنجليزي قلبه بين أصابع الدولة العثمانية ، وأحشاؤه مستقرة على أناملها ، وفي نظرها أن سلطتها أشرفت على الزوال في الأقطار المصرية ، وسيادتها عليها كادت تكون اسمًا ، ومع ذلك لا تأتي عملًا ولا تخطو خطوة ، سوى أنها اكتفت بإقامة الحجج ورفع الصوت بالاستغاثة الذي الدول ، حتى أبحها الصياح وليس من يسمع ولا من يجيب . وذوو الحقوق في الولاية على مصر والأخذ بزمام الحكم فيها على اختلاف مشاربهم ، قد شدت أياديهم بحبال من الآمال ، وسلاسل من المخاوف ، لا يجدون لهم قرارًا على فكر ، ولا ثباتًا على رأي ، وإنما هم بين إعصار من الأوهام ، وتيارات من هواجس الخيال ، يحملقون إلى مواقع الحوادث ، حائرين لا يطرف لهم طرف ، ولا يغمض لهم جفن ، وعامة الأهالي في الديار المصرية بين فقر كاد يفضى إلى قحط ، واختلاف في النظام ، وضعف في السلطة ، وخبط في الأحكام ، كادت تؤدي إلى يأس من الإصلاح ، وقد أخذهم الدوار من التلفت إلى جوانبهم ، طورًا ينظرون إلى حكامهم نظر الآمل في هممهم ، وحسن تدبيرهم ، وآخر إلى ما وعدتهم به الحكومة الإنجليزية من الجلاء عن أوطانهم ، وتركهم وما يدبرون لأنفسهم ، والقرعة تضرب عند الأمة البريطانية على ديارهم ، بدون أن يجعل لهم فيها سهم ، كأنما هم عنها أغراب لا يؤبه بهم ، ولا يبالي بشأنهم .