تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 126

مساهمون:

ص١٢٦
وتيمور لنك وأحفاده وإيقاعهم بالمسلمين قتلا وإذلالا حتى أذهلوهم عن أنفسهم فتفرّق الشمل بالكليّة وانفصمت عرى الالتئام بين الملوك والعلماء جميعًا ، وانفرد كل بشأنه أو انصرف إلى ما يليه ، فتبدد الجمع إلى آحاد ، وافترق الناس فرقًا كل فرقة تتبع داعيًا إما إلى ملك أو مذهب ، فضعفت آثار العقائد التي كانت تدعو إلى الوحدة ، وتبعث على اشتباك الوشيجة ، وصار ما في العقول منها صورًا ذهنية تحويها مخازن الخيال ، وتلحظها الذاكرة عند عرض ما في خزائن النفس من المعلومات ، ولم يبق من آثارها إلا أسف وحسرة يأخذان بالقلوب عندما تنزل المصائب ببعض المسلمين ، بعد أن ينفذ القضاء ويبلغ الخبر إلى المسامع على طول من الزمان ، وما هو إلا نوع من الحزن على الفائت ، كما يكون على الأموات من الأرقاب لا يدعو إلى حركة لتدارك النازلة ، ولا دفع الغائلة . وكان من الواجب على العلماء قيامًا بحق الوراثة التي شُرفوا بها على لسان الشرع أن ينهضوا لإحياء الرابطة الدينية ويتداركوا الاختلاف الذي وقع في الملك بتمكين الاتفاق الذي يدعو إليه الدين ، ويجعلوا معاقد هذا الاتفاق في مساجدهم ومدارسهم حتى يكون كل مسجد وكل مدرسة مهبطًا لروح حياة الوحدة ويصير كل واحد منها كحلقة في سلسلة واحدة إذا اهتزّ أحد أطرافها اضطرب لهزته الطرف الآخر ، ويرتبط العلماء والخطباء والأئمة والوعّاظ في جميع أنحاء الأرض بعضهم ببعض ويجعلون لهم مراكز في أقطار مختلفة يرجعون إليها في شؤون وحدتهم ويأخذون بأيدي العامة إلى حيث يرشدهم التنزيل وصحيح الأثر ، ويجمعوا أطراف الوشائج إلى معقد واحد يكون مركزه في الأقطار المقدسة وأشرفها معقد بيت الله الحرام حتى يتمكنوا بذلك من شدّ أزر الدين وحفظه من قوارع العدوان والقيام بحاجات الأمة إذا عرض حادث الخلل وتطرق الأجانب للتداخل فيها بما يحط من شأنها ويكون كذلك أدعى لنشر العلوم وتنوير الأفهام وصيانة الدين من البدع ، فإن إحكام الربط إنما يكون بتعيين الدرجات العلمية وتحديد الوظائف ، فلو أبدع مبدع أمكن بالتواصل بين الطبقات تدارك بدعته ومحوها قبل فشوها بين العامة ، وليس بخافٍ على المستبصرين ما يتّبع هذا من قوة الأمة وعلو كلمتها واقتدارها على دفع ما يغشاها من النوازل .