تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 125

مساهمون:

ص١٢٥
أما في هيئهم الكلية فلا وحدة لهم ، بل لا أنساب بينهم ، وكل ينظر إلى نفسه ولا يتجاوزها كأنه كون برأسه . كما كانت هذه الجفورة وذاك الهجران بين العلماء كانت كذلك بين الملوك والسلاطين من المسلمين . أليس بعجيب أن لا تكون سفارة للعثمانيين في مراكش ولا لمراكش عند العثمانيين ؟ أليس بغريب أن لا تكون للدولة العثمانية صلات صحيحة مع الأفغانيين وغيرهم من طوائف المسلمين في المشرق ؟ هذا التدابر والتقاطع وإرسال الحبال على الغوارب عمّ المسلمين حتى صحّ أن يقال لا علاقة بين قوم منهم وقوم ولا بلد وبلد إلا طفيف من الإحساس بأن بعض الشعوب على دينهم ويعتقدون مثل اعتقادهم ، وربما يتعرفون مواقع أقطارهم بالصدفة إذا التقى بعضهم ببعض في موسم الحجيج العام . وهذا النوع من الإحساس هو الداعي إلى الأسف وانقباض الصدر إذا شعر مسلم بضياع حق مسلم على يد أجنبي عن ملته ، لكنه لضعفه لا يبعث على النهوض لمعاضدته . كانت الملة كجسم عظيم قوي البنية صحيح المزاج ، فنزل به من العوارض ما أضعف الالتئام بين أجزائه ، فتداعت للتناثر والانحلال ، وكاد كل جزء يكون على حدة وتضمحل هيئة الجسم . بدأ هذا الانحلال والضعف في روابط الملة الإسلامية عند انفصال الرتبة العلمية عن رتبة الخلافة وقتما قنع الخلفاء العباسيون باسم الخلافة دون أن يحوزوا شرف العلم والتفقه في الدين والاجتهاد في أصوله وفروعه كما كان الراشدون رضي الله عنهم . كثرت بذلك المذاهب وتشعب الخلاف من بداية القران الثالث من الهجرة إلى حد لم يسبق له مثيل في دين من الأديان ، ثم انثلمت وحدة الخلافة فانقسمت إلى أقسام : خلافة عباسية في بغداد ، وفاطمية في مصر والمغرب ، وأموية في أطراف الأندلس ، تفرّقت بهذا كلمة الأمة وانشقت عصاها وانحطت رتبة الخلافة إلى وظيفة الملك ، فسقطت هيبتها من النفوس ، وخرج طلاب الملك والسلطان يدأبون إليه من وسائل القوة والشوكة ولا يرعون جانب الخلافة . وزاد الاختلاف شدة وتقطّعت الوشائج بينهم بظهور چنكيزخان وأولاده