تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 124

مساهمون:

ص١٢٤
إن للأخوة وسائر نسب القرابة صورة عند لعقل ولا أثر لها في الاعتصاب والالتحام لولا ما تبعث عليه الضرورات ، وتلجىء إليه الحاجات ، عن تعاون الأنسباء والعصبة على نيل المنافع ، وتضافرهم على دفع المضار ، وبعد كرور الأيام على المضافرة والمناصرة تأخذ النسبة من القلب مأخذًا يصرفه في آثارها بقية الأجل ويكون انبساط النفس لعون القريب ، وغضاضة القلب لما يصيبه من ضيم أو نكبة جاريًا مجرى الوجدانيات الطبيعية كالإحساس بالجوع والعطش والري والشبع ، بل اشتبه أمره على بعض الناظرين فعده طبيعيا . فلو أهملت صلة النسب بعد ثبوتها والعلم بها ، ولم تدع ضرورات الحياة في وقت من الأوقات إلى ما يمكن تلك الصلة ويؤكّدها ، ووجد صاحب النسب من يظاهره في غير نسبة أو ألجأته ضرورة إلى ذلك ذهب أثر تلك الرابطة النسبية ، ولم يبق منها إلا صورة في العقل تجرى مجرى المحفوظات من الروايات والمنقولات . وعلى مثال ما ذكرنا في رابطة النسب وهي أقوى رابطة بين البشر يكون الأمر في سائر الاعتقادات التي لها أثر في الاجتماع الإنساني من حيث ارتباط بعضه ببعض . إذا لم يصحب العقد الفكري ملجىء الضرورة أو قوة الداعية إلى عمل تنطبع عليه الجارحة وتمرن عليه ويعود أثر تكريره على الفكر حتى يكون هيئة للروح وشكلًا من أشكالها ، فلن يكون منشأ لآثاره ، وإنما يعدّ في الصور العلمية له رسم يلوح في الذاكرة عند الالتفات إليه كما قدمنا . بعد تدبر هذه الأصول البينة والنظر فيها بعين الحكمة يظهر لك السبب في سكون المسلمين إلى ما هم فيه مع شدتهم في دينهم ، والعلّة في تباطؤهم عن نصرة إخوانهم ، وهم أثبت الناس في عقائدهم ، فإنه لم يبق من جامعة بين المسلمين في الأغلب إلا العقيدة الدينية مجردة عمّا يتبعها من الأعمال ، وانقطع التعارف بينهم وهجر بعضهم بعضًا هجرًا غير جميل ، فالعلماء وهم القائمون على حفظ العقائد وهداية الناس إليها ، لا تواصل بينهم ولا تراسل فالعالم التركي في غيبة عن حال العالم الحجازي فضلًا عمّن يبعد عنهم ، والعالم الهندي في غفلة عن شؤون العالم الأفغاني وهكذا ، بل العلماء من أهل قطر واحد لا ارتباط بينهم ، ولا صلة تجمعهم إلا ما يكون بين أفراد العامة لدواع خاصة من صداقة أو قرابة بين أحدهم والآخر ،
العروة الوثقى — صفحة 124 | سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني / الشيخ محمد عبده