ينالوا الولاية خاصة لهم من دون غيرهم ، وبالغت الشريعة في طلب السيادة منهم على من يخالفهم إلى حدلو عجز المسلم عن التملص من سلطة غيره ، لوجبت عليه الهجرة من دار حربه . وهذه قواعد مثبتة في الشريعة الإسلامية يعرفها أهل الحق ، ولا يغير منها تأويلات أهل الأهواء وأعوان الشهوات في كل زمان . المسلمون يحثّ كل واحد منهم بهاتف يهتف من بين جنبيه يذكره بما تطالبه به الشريعة ، وما يفرض عليه الإيمان ، وهو هاتف الحق الذي بقي له من إلهامات دينه ، ومع كل هذا نرى أهل هذا الدين في هذه الأيام بعضهم في غفلة عمّا يلمّ بالبعض الآخر ، ولا يألمون لما يألم له بعضهم فأهل ( بلوچستان ) كانوا يرون حركات الإنجليز في ( أفغانستان ) على مواقع أنظارهم ، ولا يجيش لهم جأش ولم تكن لهم نعرة على إخوانهم ، والأفغانيون كانوا يشهدون تداخل الإنجليز في بلاد فارس ولا يضجرون ولا يتململون ، وإن جنود الإنجليز تضرب في الأراضي المصرية ذهابًا وإيابًا وتقتل وتفتك ، ولا ترى نجدة في نفوس إخوانهم المشرفين على مجاري دمائهم ، بل السامعين لخريرها من حلاقيمهم ، الذين احمرت أحداقهم من مشاهدها بين أيديهم وتحت أرجلهم وعن شمائلهم . تمسك المسلمين بتلك العقائد وإحساسهم بداعية الحق في نفوسهم مع هذه الحالة التي هم عليها ، مما يقتضي بالعجب ويدعو إلى الحيرة ، ويسبق إلى بيان السبب فخذ مجملًا منه : إن الأفكار العقلية والعقائد الدينية وسائر المعلومات والمدركات والوجدانيات النفسية وإن كان هي الباعثة على الأعمال وعن حكمها تصدر بتقدير العزيز العليم ، لكن الأعمال تثبتها وتقويها وتطبعها في الأنفس عليها حتى يصير ما يعبر عنه بالملكة والخلق ، وتترتب عليه الآثار التي تلائمها . نعم إن الإنسان إنسان بفكره وعقائده إلا أن ما ينعكس إلى مرايا عقله من مشاهد نظره ومدركات حواسه يؤثر فيه أشدّ التأثير ، فكل مشهود يحدث فكرًا وكل فكر يكون له أثر في داعية ، وعن كل داعية ينشأ عمل ، ثم يعود من العمل إلى الفكر ، ولا ينقطع الفعل والانفعال بين الأعمال والأفكار ، ما دامت الأرواح في الأجساد ، وكل قبيل هو الآخر عماد .
العروة الوثقى — صفحة 123
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص١٢٣