تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 121

مساهمون:

ص١٢١
المقارعة ، وعلوم النزال والمكافحة ، ظهر فيهم أقوام بلباس الدين وأبدعوا فيه ، وخلطوا بأصوله ما ليس منها ، فانتشرت بينهم قواعد الجبر ، وضربت في الأذهان حتى اخترقتها ، وامتزجت بالنفوس حتى أمسكت بعنانها عن الأعمال ، هذا إلى ما أدخله الزنادقة فيما بين القرن الثالث والرابع وما أحدثه السوفسطائية الذين أنكروا مظاهر الوجود وعدوها خيالات تبدو للنظر ، ولا تثبتها الحقائق ، وما وضعه كذبة النقل من الأحاديث ينسبونها إلى صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم ويثبتونها في الكتب وفيها السمّ القاتل لروح الغيرة ، وإن ما يلصق منها بالعقول يوجب ضعفاً في الهمم وفتورًا في العزائم . وتحقيق أهل الحق وقيامهم ببيان الصحيح والباطل من كل ذلك لم يرفع تأثيره عن العامة خصوصًا بعد حصول النقص في التعليم والتقصير في إرشاد الكافة إلى أصول دينهم الحقّة ومبانيه الثابتة التي دعا إليها النبي وأصحابه ، فلم تكن دراسة الدين على طريقها القويم إلا منحصرة في دوائر مخصوصة وبين فئة ضعيفة ، لعلّ هذا هو العلّة في وقوفهم ، بل الموجب لتقهقرهم ، وهو الذي نعاني من عنائه اليوم وهو ما نسأل الله السلامة منه . إلا أن هذه العوارض التي غشيت الدين ، وصرفت قلوب المسلمين عن رعايته وإن كان حجابها كثيفًا ، لكن بينها وبين الاعتقادات الصحيحة التي لم يحرموها بالمرة تدافع دائم وتغالب لا ينقطع . والمنازعة بين الحق والباطل كالمدافعة بين المرض وقوّة المزاج . وحيث إن الدين الحق هو أول صبغة صبغ الله بها نفوسهم ، ولا يزال وميض برقه يلوح في أفئدتهم بين تلك الغيوم العارضة ، فلابد يومًا أن يسطع ضياؤه ويقشع سحاب الأغيام ، وما دام القرآن يتلى بين المسلمين وهو كتابهم المنزل وإمامهم الحق . وهو القائم عليهم يأمرهم بحماية حوزتهم والدفاع عن ولايتهم ، ومغالبة المعتدين ، وطلب المنعة من كل سبيل ، لا يعين لها وجهًا ، ولا يخصص لها طريقًا ، فإننا لا نرتاب في عودتهم إلى مثل نشأتهم ، ونهوضهم إلى مقاضاة الزمان ما سلب منهم ، فيتقدّمون على من سواهم في فنون الملاحمة والمنازلة والمصاولة حفظًا لحقوقهم ، وضنا بأنفسهم عن الذل وملّتهم عن الضياع وإلى الله تصير الأمور .
العروة الوثقى — صفحة 121 | سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني / الشيخ محمد عبده