تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 120

مساهمون:

ص١٢٠
المسلمين وهم في شبيبة دينهم أعمال بهرت الأبصار ، وأدهشت الألباب ؟ ! ألم يكن منهم مثل فارس والعرب ولترك الذين دوّخو الممالك واستووا على كرسي السيادة فيها ؟ ! كان للمسلمين في الحروب الصليبية آلات نارية أشباه المدافع ، فزع لها المسيحيون ، وغابوا عن معرفة أسبابها . ذكر ملكام سرجم « إنجليزي » في تاريخ فارس ، أن محموداً القزنوني كان يحارب وثنيّي الهند بالمدافع ، وكانت هي الأسباب في انهزامهم على يديه سنة 400 من الهجرة ، وما كان المسيحيون لذلك العهد يعرفون شيئًا منها . فأي عون من الدهر أخذ بأيدي الملّة المسيحية فقدّمها إلى ما لم يكن في قواعد دينها ، وأي صدمة من صدماته دفعت في صدور المسلمين فأخرتهم عن تعاطي الوسائل لما هو أول مفروض في دينهم ؟ مقام للحيرة وموضع للعجب ! ويظن أن لابد لهذا التخالف من سبب ، نعم وتفصيله يطول ، ولكن نجمل على ما شرطنا أن الدين المسيحي إنما امتد ظله وعمّت دعوته في الممالك الأوروپية من أبناء الرومانيين ، وهم على عقائد وآداب وملكات وعادات ورثوها عن أديانهم السابقة ، وعلومهم وشرائعهم الأولى ، وجاء الدين المسيحي إليهم مسالمًا لعوائدهم ومذاهب عقولهم ، وداخلهم من طرق الإقناع ومسارقة الخواطر لا من مطارق البأس والقوة ، فكان كالطراز على مطارفهم ، ولم يسلبهم ما ورثوه عن أسلافهم ، ومع هذا فإن صحف الإنجيل الداعية إلى السلامة والسلم لم تكن لسابق العهد مما يتناوله الكافة من الناس ، بل كانت مذخورة عند الرؤساء الروحانيين ، ثم إن الأحبار الرومانيين لما أقاموا أنفسهم في منصب التشريع ، وسنوا محاربة الصليب ، ودعوا إليها دعوة الدين ، التحمت آثارها في النفوس بالعقائد الدينية ، وجرت منها مجرى الأصول ، ولحقها على الأثر تزعزع عقائد المسحيين في أوروپا ، وافترقوا شيعات وذهبوا مذاهب تنازع الدين في سلطته ، وعاد وميض ما أودعه أجدادهم في جراثيم وجودهم ضرامًا ، وتوسعوا في فنون كثيرة ، وانفسح لهم مجال الفكر فيها ، وكانت براعتهم في الفن العسكري ، واختراع آلات الحرب والدفاع مساوقة لبراعتهم في سائر الفنون . أما المسلمون فبعد أن نالوا في نشأة دينهم ما نالوا ، وأخذوا من كل كمال حربي حظا ، وضربوا في كل فخار عسكري بسهم ، بل تقدموا سائر الملل في فنون