تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 115

مساهمون:

ص١١٥
ومن طلب إصلاح أمة شأنها ما ذكرنا بوسيلة سوى هذه فقد ركب بها شططًا وجعل النهاية بداية وانعكست التربية وخالف فيها نظام الوجود ، فينعكس عليه القصد ولا يزيد الأمة إلا نحسًا ولا يكسبها إلا تعسًا . هل تعجب أيّها القارئ من قولي إن الأصول الدينية الحقّة المبرأة عن محدثات البدع تنشئ للأمم قوة الاتحاد وائتلاف الشمل وتفضيل الشرف على لذة الحياة وتبعثها على اقتناء الفضائل وتوسيع دائرة المعارف وتنتهي بها إلى أقصى غاية في المدنية . إن عجبت فإن عجبي من عجبك أشد . هل نسيت تاريخ الأمة العربية وما كانت عليه قبل بعثة الدين من الهمجية والشتات وإتيان الدنايا والمنكرات حتى إذا جاءها الدين فوحدها وقوّاها وهذبها ونوّر عقولها وقوّم أخلاقها وسدّد أحكامها ، فسادت على العالم وساست من تولته بسياسة الدل والإنصاف ، وبعد أن كانت عقول أبنائها في غفلة عن لوازم المدنية ومقتضياتها نبهتها شريعتها وآيات دينها إلى طلب الفنون المتنوعة والتبحر فيها ونقلوا إلى ديارهم طب بقراط وجالينوس وهندسة إقليدس وهيئة بطليموس وحكمة أفلاطون وأرسطو ، وما كانوا قبل الدين في شيء من هذا وكل أمّة سادت تحت هذا اللواء إنما كانت قوّتها ومدنيتها في التمسك بأصول دينها . وقد تكون نشأة الأمة قائمة بدعوة الملك وافتتاح الأقطار وطلب السيادة على الأمصار ، وتلك الدعوة لما تستدعيه من عظم الهمم وارتفاع النفوس عن الدنايا وبعد الغايات وعلو المقاصد ، هي التي هذّبت أخلاقهم ، وقوّمت أفكارهم ، وكفتهم عن معاطاة الرذائل ، وخسائس الأمور وسوافلها ، ثم بعد مضى زمان من نشأتها أصابها من الانحطاط ما أصابها ، فبيان أسباب الخلل فيها وعلاته نفرد له فصلًا مستقلًا في آخر عدد إن شاء الله ، وهو الموفق للصواب .