تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 117

مساهمون:

ص١١٧
أفكاره ، ومناهج تعقله ، ومذاهب ميله ، ومطامح رغباته ونزوعه إلى الأسرار الإلهية أو ركونه إلى البحث في الخواص الطبيعية ، وعنايته باكتشاف الحقيقة في كل شيء ، أو وقوفه عند بادىء الرأي فيه وكل ما يرتبط بالحركات الفكرية إنما هي ودائع اختزنها لديه الآباء والأمهات والأقوام والعشائر والمخالطون . وأما هواء المولد والمربى ونوع المزاج ، وشكل الدماغ وتركيب البدن ، وسائر الغواشي الطبيعية فلا أثر له في الأعراض النفسية والصفات الروحانية إلا ما يكون في الاستعداد والقابلية ، على ضعف في ذلك الأثر ، فإن التربية وما ينطبع في النفس من حوال المعاشرين وأفكار المثقفين تذهب به كأن لم يكن أودع في الطبع ، نعم إن أفكارًا تتجدد ، ومعقولات عن أخرى تتولد وصفات تسمو ، وهممًا تعلو ، حتى يفوق اللاحقون فيها السابقين ويظن أن هذا من تصرّف الطبيعة لا من آثار الاكتساب ، ولكن الحق فيه أن ثمرة ما غرس ونتيجة ما كسب فهو مصنوع يتبع مصنوعًا ، فالإنسان في عقله وصفات روحه عالم صناعي . هذا مما لا يرتاب عليه العقلاء والسذج ، ولكن هل تذكرت مع هذا أن الأعمال البدنية ، إنما تصدر عن الملكات والعزائم الروحية ، وأن الروح هي السلطان القاهر على البدن ؟ أظنك لا تحتاج فيه إلى تذكير لأنه مما لا يغرب عن الأذهان ، إنما قبل الدخول في موضوعنا أقول كلمة حق في الدين ، ولا أظن منكرًا يجحدها : إن الدين وضع إلهي ، ومعلمه والداعي إليه البشر ، تتلقاه العقول عن المبشرين المنذرين ، فهو مسكوب لمن يختصهم الله بالوحي ، ومنقول عنهم بالبلاغ والدراسة والتعليم والتلقين ، وهو عند جميع الأمم أول ما يمتزج بالقلوب ، ويرسخ في الأفئدة ، وتصبغ النفوس بعقائدة وما يتبعها من الملكات والعادات ، وتتمرن الأبدان على ما ينشأ عنه من الأعمال عظيمها وحقيرها ، فله السلطة الأولى على الأفكار وما يطاوعها من العزائم والإرادات ، فهو سلطان الروح ومرشدها إلى ما تدبر به بدنها ، وكأنما الإنسان في نشأته لوح صقيل ، وأول ما يخط فيه رسم الدين ، ثم ينبعث إلى سائر الأعمال بدعوته وإرشاده . وما يطرأ على النفوس من غيره ، فإنما هو نادرشاذ ، حتى لو خرج مارق عن دينه لم يستطع الخروج عمّا أحدثه فيه من الصفات بل تبقى طبعته فيه كأثر الجرح في البشرة بعد الاندمال .