تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 112

مساهمون:

ص١١٢
شيّد العثمانيون والمصريون عددًا من المدارس على النمط الجديد ، وبعثوا بطوائف منهم إلى البلاد الغربية ليحملوا إليهم ما يحتاجون إليه من العلوم والمعارف والصنائع والآداب ، وكل ما يسمونه تمدنًا وهو في الحقيقة تمدن للبلاد التي نشأ فيها على نظام الطبيعة وسير الاجتماع الإنساني . هل انتفع المصريون والعثمانيون بما قدّموا لأنفسهم من ذلك وقد مضت عليهم أزمان غير قصيرة ؟ هل صاروا أحسن حالًا مما كانوا عليه قبل التمسك بهذا الحبل الجديد ؟ هل استنقذوا أنفسهم من أنياب الفقر والفاقة ؟ هل نجوا بها من ورطات ما يلجئهم إليه الأجانب بتصرفاتهم ؟ هل أحكموا الحصون وسدوا الثغور ؟ هل نالوا بها من المنعة ما يدفع عنهم غارة الأعداء عليهم ؟ هل بلغوا من البصر بالعواقب والتصرف في الأفكار حدا يميل عزائم الطامعين عنهم ؟ هل وجدت فيهم قلوب مازجتها روح الحياة الوطنية فهي تؤثر مصلحة البلاد على كل مصلحة ؟ وتطلبها وإن تجاوزت محيط الحياة الدنيا ، وإن بادت في سبيلها ، خلفها وارث على شاكلتها كما كان في كثير من الأمم ؟ نعم ربما وجد بينهم أفراد يتفيهقون بألفاظ الحرية والوطنية والجنسية وما شاكلها ويصوغونها في عبارات متقطعة بتراء لا تعرف غايتها ولا تعلم بدايتها ووسموا أنفسهم زعماء الحرية . أو بسمة أخرى على حسب ما يختارون ووقفوا عند هذا الحد . ومنهم آخرون عمدوا إلى العمل بما وصل إليهم من العلم ، فقلبوا أوضاع المباني والمساكن وبدلوا هيئات المآكل والملابس والفرش والآنية وسئر الماعون وتنافسوا في تطبيقها على أجود ما يكون منها في الممالك الأجنبية ، وعدّوها من مفاخرهم وعرضوها معرض المباهات ، فنسفوا بذلك ثروتهم إلى غير بلادهم واعتاضوا عنها أعراض الزينة مما يروق منظره ولا يحمد أثره ، فأماتوا أرباب الصنائع من قومهم وأهلكوا العاملين في المهن لعدم اقتدارهم أن يقوموا بكل ما تستدعيه تلك العلوم الجديدة من الحاجيات الجديدة والكماليات الجديدة ، لأن مصانعهم لم تتحول إلى الطرز الجديد وأيديهم لم تتعود على الصنع الجديد وثروتهم لا تسع جلب الآلات الجديدة من البلاد البعيدة ، وهذا جدع لأنف الأمّة يشوّه وجهها ويحط بشأنها وما كان هذا إلا لأن تلك العلوم وضعت فيهم على غير أساسها وفاجأتهم قبل أوانها .