تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 116

مساهمون:

ص١١٦

النصرانية والإسلام وأهلها

« إِنَّ فِي ذلِك لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وهُوَ شَهِيدٌ » [ ق : 37 ] . خلق الله الإنسان عالمًا صناعيا ويسّر له سبيل العمل لنفسه وهداه للإبداع والاختراع ، وقدّر له الرزق من صنع يديه ، بل جعله ركن وجوده ، ودعامة بقائه ، فهو على جميع أحواله من ضيق وسعة ، وخشونة ورفاهة ، وتبدّ وحضارة ، صنيعة أعماله ، أقواته من معالجة الأرض بالزراعة أو قيامه على الماشية ، وسرابيله وما يقيه الحر أو البرد والوجى من عمل يديه نسجًا أو خصفًا ، وأكنانه ومساكنه ليس إلا مظاهر تقديره وتفكيره وجميع ما يفتن فيه من دواعي ترفه ونعيمه إنما هي صور أعماله ومجالي أفكاره ، ولو نفض يديه من العمل لنفسه ساعة من الزمان وبسط أكفّه للطبيعة ليستجديها نفسًا من حياة لشحت به عليه ، بل دفعته إلى هاوية العدم ، وهو في صنعه وإبداعه محتاج إلى أستاذ يثقّفه وهاد يرشده ، فكما يعمل لتوفير لوازم معيشته وحاجات حياته ، يعمل ليعلم كيف يعمل ، وليقتدر على أن يعمل ، فصنعته أيضًا من صنعه ، فهو في جميع شؤونه الحيوية عالم صناعي كأنه منفصل عن الطبيعة بعيد من آثارها ، حاجته إليها كحاجة العامل لآلة العمل . هذا هو الإنسان في مأكله ومشربه وملبسه ومسكنه . دعه في هذه الحالة وخذ طريقًا من النظر إلى أحواله النفسية من الإدراك والتعقل والأخلاق والملكات والانفعالات الروحية تجده فيها أيضًا عالمًا صناعيا : شجاعته وجبنه ، جزعه وصبره ، كرمه وبخله ، شهامته ونذالته ، قسوته ولينه ، عفته وشرهه ، وما يشبهها من الكمالات والنقائص جميعها تابع لما يصادفه في تربيته الأولى ، وما يودع في نفسه من حوال الذين نشأ فيهم وتربى بينهم ، مرامي
العروة الوثقى — صفحة 116 | سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني / الشيخ محمد عبده