علمتنا التجارب ونطقت مواضي الحوادث بأن المقلدين من كل أمّة المنتحلين أطوار غيرها يكونون فيها منافذ وكوى لتطرق الأعداء إليها ، وتكون مداركهم مهابط الوساوس ومخازن الدسائس ، بل يكونون بما أفعمت أفئدتهم من تعظيم الذين قلدوهم واحتقار من لم يكن على مثالهم شؤمًا على أبناء أمتهم يذلونهم ويحتقرون أمرهم ويستهينون بجميع أعمالهم وإن جلت ، وإن بقي في بعض رجال الأمّة بقية من الشمم أو نزوع إلى معالي الهمم انصبوا عليه وأرغموا من أنفه حتى يمحى أثر الشهامة وتخمد حرارة الغيرة ويصير أولئك المقلدون طلائع لجيوش الغالبين ، وأرباب الغارات يمهدون لهم السبيل ويفتحون الأبواب ، ثم يثبتون أقدامهم ويمكنون سلطتهم ، ذلك بأنهم لا يعلمون فضلًا لغيرهم ولا يظنون أن قوة تغالب قواهم . أقول ولا أخشى لومًا لو كان في البلاد الأفغانية عدد قليل من تلك الطلائع عندما تغلّب على بعض أراضيها الإنجليز لما بارحوها أبد الآبدين . فإن نتيجة العلم عند هؤلاء ليست إلا توطيد المسالك والركون إلى قوة مقلديهم واستقبال مشارق فنونهم فيبالغون في تطمين النفوس وتسكين القلوب حتى يزيلون الوحشة التي قد يصون بها الناس حقوقهم ويحفظون بها استقلالهم ، ولهذا لو طرق الأجانب أرضًا لأيّة أمةترى هؤلاء المتعلمين فيها يقبلون عليهم ويعرضون أنفسهم لخدمتهم بعد الاستبشار بقدومهم ويكونون بطانة لهم ومواضع لثقتهم ، كأنما هم منهم ويعدون الغلبة الأجنبية في بلادهم مباركة عليهم وعلى أعقابهم .
* * * فما الحيلة وما الوسلية ، والجرائد بعيدة الفائدة ضعيفة الأثر لو صحت الضمائر فيها ، والعلوم الجديدة لسوء استعمالها رأينا ما رأينا من آثارها والوقت ضيّق والخطب شديد . . . أي جهوري من الأصوات يوقظ الراقدين على حشايا الغفلات ؟ أي قاصفة تزعج الطباع الجامدة وتحرّك الأفكار الخامدة ؟ أي نفخة تبعث هذه الأرواح في أجسادها وتحشرها إلى مواقف صلاحها وفلاحها ؟ الأقطار فسيحة الجوانب بعيدة المناكب ، المواصلات عسرة بين الشرقي والغربي والجنوبي والشمالي ، الرؤوس مطرقة إلى ما تحت القدم أو منغضة إلى ما فوق السماء ، ليس للأبصار جولان إلى الأمام والخلف واليمين والشمال ولا للأسماع إصغاء ولا للنفوس رغبات وللأهواء تحكم وللوساوس سلطان .
العروة الوثقى — صفحة 113
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص١١٣