تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 114

مساهمون:

ص١١٤
ماذا يصنع المشفقون على الأمّة والزمن قصير ؟ ! ماذا يحاولون والأخطار محدقة بهم ؟ ! بأيّ سبب يتمكنون ورسل المنايا على أبوابهم ؟ ! لا أطيل عليك بحثًا ولا أذهب بك في مجالات بعيدة من البيان ، ولكني أستلفت نظرك إلى سبب يجمع الأسباب ووسيلة تحيط بالوسائل . أرسل فكرك إلى نشأة الأمّة التي خملت بعد النباهة وضعفت بعد القوّة واسترقت بعد السيادة وضيمت بعد المنعة ، وتبين أسباب نهوضها الأول حتى تتبين مضارب الخلل وجراثيم العلل فقد يكون ما جمع كلمتها وأنهض همم آحادها ولحم ما بين أفرادها وصعد بها إلى مكانة تشرف منها على رؤوس الأمم وتسوسهم وهي في مقامها بدقيق حكمتها إنما هو دين قويم الأصول محكم القواعد ، شامل لأنواع الحكم باعث على الألفة داع إلى المحبة مزك للنفوس ، مطهر للقلوب من أدران الخسائس ، منوّر للعقول بإشراق الحق من مطالع قضاياه ، كافل لكل ما يحتاج إليه الإنسان من مباني الاجتماعات البشرية ، وحافظ وجودها وينادي بمعتقديه إلى جميع فروع المدنية . فإن كانت هذه شرعتها ولها وردت وعنها صدرت ، فما تراه من عارض خللها وهبوطها عن مكانتها إنما يكون من طرح تلك الأصول ونبذها ظهريا وحدوث بدع ليست منها في شيء ، أقامها المعتقدون مقام الأصول الثابتة ، وأعرضوا عمّا يرشد إليه الدين وعمّا أتى لأجله وما أعدته الحكمة الإلهية له حتى لم يبق منه إلا أسماء تذكر وبارات تقرأ ، فتكون هذه المحدثات حجابًا بين الأمّة وبين الحق الذي تشعر بندائه أحيانًا بين جوانحها . فعلاجها الناجع إنما يكون برجوعها إلى قواعد دينها والأخذ بأحكامه على ما كان في بدايته وإرشاد العامة بمواعظه الوافية بتطهير القلوب وتهذيب الأخلاق وإيقاد نيران الغيرة وجمع الكلمة وبيع الأرواح لشرف الأمّة ، ولأن جرثومة الدين متأصلة في النفوس بالوراثة من أحقاب طويلة والقلوب مطمئنة إليه وفي زواياها نور خفي من محبته ، فلا يحتاج القائم بإحياء الأمة إلا إلى نفخة واحدة يسري نفثها في جميع الأرواح لأقرب وقت ، فإذا قاموا لشئونهم ووضعوا أقدامهم على طريق نجاحهم وجعلوا أصول دينهم الحقّة نصب أعينهم ، فلا يعجزهم بعد أن يبلغوا بسيرهم منتهى الكمال الإنساني .