تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 118

مساهمون:

ص١١٨
وبعد هذا فموضوع بحثنا الآن الملّة المسيحية والملّة الإسلامية ، وهو بحث طويل الذيل وإنما نأتي فيه على إجمال ينبئك عن تفصيل أن الديانة المسيحية بنيت على المسالمة والمياسرة في كل شيء ، وجاءت برفع القصاص وإطراح الملك والسلطة ، ونبذ الدنيا وبهرجها ، ووعظت بوجوب الخضوع لكل سلطان يحكم المتدينين بها ، وترك أموال السلاطين للسلاطين ، والابتعاد عن المنازعات الشخصية والجنسية ، بل والدينية ، ومن وصايا الإنجيل : من ضربك على خدّك الأيمن فأدر له الأيسر . ومن أخباره أن الملوك إنما ولايتهم على الأجساد وهي فانية ، والولاية الحقيقية الباقية على الأرواح وهي لله وحده ، فمن يقف على مباني هذه الديانة ويلاحظ ما قلنا من أن الدين صاحب الشوكة العظمى على الأفكار ، مع ملاحظة أن لكل خيال أثرًا في الإرادة يتبعه حركة في البدن على حسبه ، يعجب كل العجب من أطوار الآخذين بهذا الدين السلمي ، المنتسبين في عقائدهم إليه ، فإنهم يتسابقون في المفاخرة والمباهاة بزينة هذه الحياة ورفه العيش فيها ، ولا يقفون عند حدّ في استيفاء لذاتها ، ويسارعون إلى افتتاح الممالك ، والتغلب على الأقطار الشاسعة ، ويخترعون كل يوم فنا جديدًا من فنون الحرب ، ويبدعون في اختراع الآلات الحربية القاتلة ، ويستعملها بعضهم في بعض ، ويصولون بها على غيرهم ، ويبالغون في ترتيب الجيوش وتدبير سوقها في ميادين القتال ، ويصرفون عقولهم في إحكام نظامها حتى وصلوا غاية صار بها الفن العسكري من أوسع الفنون وأصعبها ، وإن أصلو دينهم صارفة لعقولهم عن العناية بحفظ أملاكهم ، فضلًا عن الالتفات إلى طلب غيرها . الديانة الإسلامية وضع أساسها على طلب الغلب والشوكة والافتتاح والعزة ورفض كل قانون يخالف شريعتها ، ونبذ كل سلطة لا يكون القائم بها صاحب الولاية على تنفيذ أحكامها ، فالناظر في أصول هذه الديانة ومن يقر أسورة من كتابها المنزل يحكم حكمًا لا ريب فيه بأن المعتقدين بها لا بدّ أن يكونوا أول ملّة حربية في العالم ، وأن يسبقوا جميع الملل إلىاختراع الآلات القاتلة ، وإتقان العلوم العسكرية ، والتبحر فيما يلزمها من الفنون كالطبيعة والكيمياء وجرّ الأثقال والهندسة وغيرها ، ومن تأمل في آية « وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ » [ الأنفال : 60 ] ، أيقن أن من صبغ بهذا الدين فقد صبع بحب الغلبة ، وطلب كل وسيلة إلى ما يسهل له سبيلها ، والسعي إليها بقدر الطاقة البشرية ، فضلًا عن