تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 111

مساهمون:

ص١١١
وقوف لها على الغاية التي قصدت منها في مناشئها ولا خبرة لها بما يترتب عليها من الثمرات وإن وصل إليها طرف من ذلك فإنما يكون ظاهرًا من القول لإنباء عن الحقيقة ؟ ! فهل مع هذا يصيب الظن بأن مفاجأة بعض الأفراد بها وسوقها إلى أذهانهم المشحونة بغيرها ، يقوم من أفكار هم ويعدل من أخلاقهم ويهديهم طرق الرشاد في إفادة إخوانهم ؟ ! لعلّ الأقرب أن ناقلي تلك العلوم وهم من أمة هذا شأنها مع ما ينعكس إليهم من الأوهام المألوفة فيها وما رسخ في نفوسهم على عهد الصبا وما يعظمونه من أمر الأمة التي تلقوا عنها علومهم ، يكونون بين أمّتهم كخلط غريب لا يزيد طبائعها إلا فسادًا . ماذا يكون من أولئك الناشئين في علوم لم تكن ينابيعها من صدورهم ولو صدقوا في خدمة أوطانهم ؟ يكون منهم ما تعطيه حالهم يؤدون ما تعلموه كما سمعوه لا يراعون فيه النسبة بينه وبين مشارب الأمة وطباعها وما مرنت عليه من عاداتها ، فيستعملونه على غير وضعه ولبعدهم عن أصله ولهوهم بحاضره عن ماضيه وغفلتهم عن آتيه ، يظنونه على ما بلغهم هو الكمال لكل نفس والحياة لكل روح ، فيرومون من الصغير ما لا يرام إلا من الكبير وبالعكس ، غير ناظرين إلا إلى صور ما تعلموه ولا مفكرين في استعداد من يعرض عليهم وهل يكون له من طباعهم مكان يحمد أو يزيدها على ما بها أضعافًا ؟ ! وما هذا إلا لكونهم ليسوا أربابها وإنما هم لها نَقَلة وحَمَلة . فهؤلاء الصادقون إلا من وفّقه الله منهم بعنايته الإلهية يكون مثلهم كمثل والدة حنون يلذ لها غذاء فتفيض منه على ولدها وهو رضيع ليساهمها في اللذة وسنه سن اللبان لا يقبل سواه ، فيسرع إليه المرض وينتهي به إلى التلف ، فتكون منزلتهم من الأمة منزلة الآلة المحللة يشتتون بقية الجمع ويبددون أخريات الالتئام ، إن كان الفساد أبقى للقوم بعض الروابط ، فهؤلاء المغرورون يغشونهم بما يذهلهم عنها وما قصدوا إلا خيرًا إن كانوا مخلصين ويوسعون بذلك الخصاص حتى تعود أبوابًا ويباعدون ما بين الضفاف حتى تصير ميادين لتداخل الأجانب فيهم تحت اسم النصحاء وعنوان المصلحين ، ويذهبون بأمّتهم إلى الفناء والاضمحلال وبئس المصير .
العروة الوثقى — صفحة 111 | سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني / الشيخ محمد عبده