تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 110

مساهمون:

ص١١٠
ولئن وجدت القارئ فقلما تجد الفاهم ، والفاهم قد يحمل ما يجده على غير ما يُراد منه لضيق في التصوّر أو ميل مع الهوى فلا يكون منه إلا سوء التأثير ، فيشبه غذاء لا يلائم الطبع فيزيد الضرر أضعافًا . على أن الهمة إذا كانت في درك الهبوط فمن يستطيع تفهيمها فائدة الجرائد حتى تتجه منها الرغبات لاستطلاع ما فيها مع قصر المدة وتدفق سيول الحوادث ، إن هذا وحقك لعزيز . ويظن قوم آخرون أن الأمة المنبثة في أقطار واسعة من الأرض مع تفرّق أهوائها وأخلادها إلى ما دون رتبتها بدرجات لا تحصر ورضاها بالدون من العيش والتماس الشرف بالانتماء لمن ليس من جنسها ولا من مشربها ، بل لمن كان خاضعًا لسيادتها راضخًا لأحكامها ، مع هذا كلّه يتم شفاؤها من هذه الأمراض القاتلة بإنشاء المدارس العمومية دفعة واحدة في كل بقعة من بقاعها وتكون على الطرز الجديد المعروف بأوروپا حتى تعمّ المعارف جميع الأفراد في زمن قريب ، ومتى عمّت المعارف كملت الأخلاق واتحدت الكلمة واجتمعت القوّة . وما أبعد ما يظنون ، فإن هذا العمل العظيم إنما يقوم به سلطان قوي قاهر يحمل الأمة على ما تكره أزمانًا حتى تذوق لذته وتجني ثمرته ثم يكون ميلها الصادق من بعد نائبًا عن سلطته في تنفيذ ما أراد من خيرها ، ويلزم له ثروة وافرة تفي بنفقات تلك المدارس وهي كثيرة . وموضوع كلامنا في الضعف ودوائه فهل مع الضعف سلطة تقهر وثروة تغني ؟ ولو كان للأمة هذان لما عدت من الساقطين . فإن قالوا يمكن التدريج مع الاستمرار والثبات ، وافقناهم على الإمكان لولا ما يكون من طمع الأقوياء حتى لا يدعون لهم سبيلًا لأن يستنشقوا نسيم القوة ، فأين الزمان لنجاح تلك الوسائل البطيئة الأثر . على أنّا لو فرضنا مسالمة الدهر ومنحت الأمة مدّة من الزمان تكفي لبثّ تلك العلوم في بعض الأفراد والاستزادة منها شيئًا فشيئًا ، فهل يصح الحكم بأن هذا التدرّج يفيدها فائدة جوهورية ، وأن ما يصيبه البعض منها يهيئه للكمال اللائق به ويمكنه من القيام بإرشاد الباقي من أبناء أمته ؟ واعجبًا كيف يكون هذا وإن الأمة في بُعد عن معرفة تلك العلوم الغريبة عنها ؟ ! وكيف بذرت بذورها ؟ ! وكيف نبتت واستوت على سوقها وأينعت وأثمرت ؟ ! وبأي ماء سقيت وبأيّ تربة غذيت ولا
العروة الوثقى — صفحة 110 | سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني / الشيخ محمد عبده