تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 109

مساهمون:

ص١٠٩
هل يمكن تعيين الداء إلا بعد الوقوف على أصل الداء وأسبابه الأولى والعوارض التي طرأت عليه ؟ إن كان المرض في أمّة فكيف يمكن الوصول إلى علله وأسبابه إلا بعد معرفة عمرها وما اعتراها فيه من تنقل الأحوال وتنوع الأطوار ؟ أيمكن لطبيب يعالج شخصًا بعينه أن يختار له نوعًا من العلاج قبل أن يعرف ما عرض له من قبل في حياته ليكون على بيّنة من حقيقة المرض ؟ وإلا فإن كثيراً من الأمراض تتولد جراثيمها في طور من أطوار العمر ثم لا تظهر إلا في طور آخر لتغلب قوة الطبيعة على مادة المرض فلا يبدو أثرها ، كلا إنه ليصعب على الطبيب الماهر تشخيص علّة لشخص واحد سنو عمره محدودة وعوارض حياته محصورة فكيف بمن يريد مداواة ملّة طويلة الأجل وافرة العدد ؟ ! ، لهذا يندر في أجيال وجود بعض رجال يقومون بإحياء أمّة أو إرجاع شرفها ومجدها إليها وإن كان المتشبهون بهم كثيرين ، وكما أن المتطبب القاصر في الأمراض البدنية لا يزيد علاجه المرض إلا شدّة لولا مساعدة الاتفاق والصدفة ، بل ربما يفضي بالمريض إلى الموت . كذلك يكون حال الذين يقومون بتعديل أخلاق الأمم على غير خبرة تامة بشأنها وموجب اعتلالها ووجوه العلة فيها وأنواعها ، وما يكتنف ذلك من العادات وما يوجد في أفرادها من المذاهب والاعتقادات وحوادثها المتتابعة على اختلاف مواقعها من الأرض ومكانتها الأولى من الرفعة ودرجتها الحالية من الضعة وتدرجها فيما بين المنزلتين ، فإن أخطأ طالب إصلاحها في اكتناه شيء مما ذكرنا تحوّل الدواء داء والوجود فناء . فمن له حظ في الكمال الإنساني ولم يطمس من قلبه موضع الإلهام الإلهي ، لا يجرؤ على القيام بما يسمونه تربية الأمم وإصلاح ما فسد منها ، وهو يحس من نفسه أدنى قصور في أداء هذا الأمر العظيم علمًا أو عملًا . نعم يكون ذلك من محبي الفخفخة الباطلة وطلاب العيش في ظل وظائف ليسوا من حقوقها في شيء . ظن قوم في هذه الأزمان أن أمراض الأمم تعالج بنشر الجرائد وأنها تكفل إنهاض الأمم وتنبيه الأفكار وتقويم الأخلاق . كيف يصدق هذا الظن ؟ وإنّا لو فرضنا أن كتّاب الجرائد لا يصدقون بما يكتبون إلا نجاح الأمم مع التنزّه عن الأغراض ، فبعدما غم الذهول واستولت الدهشة على العقول وقل القارئون والكاتبون لا تجد لها قارئاً