التهم والرضا بكل حال ، ولئن تنبّه خاطر للحق في خيال أحدهم أو استفزّه داع من قلبه إلى ما يكسب ملّته شرفًا أو يعيد إليها مجدًا ، عده هوسا وهذيانًا أصيب به من ضعف في المزاج أو خلل في البنية ، أو حسب أنّه لو أجاب داعي الذمة لعاد عليه بالوبال وأورده موارد الهلكة أو لصار من أقرب الأسباب لزوال نعمته ونكد معيشته ويحكم لنفسه سلاسل من الجبن وأغلالًا من اليأس فتغلّ يداه عن العمل وتقف قدماه عن السعي ويحسّ بعد ذلك بغاية العجز عن كل ما فيه خيره وصلاحه ، ويقصر نظره عن درك ما أتى أسلافه من قبل ، وتجمد قريحته عن فهم ما قام به أولئك الآباء الذين تركوه خليفة على ما كسبوا وقيما على ما أورثوه لأعقابهم ، ويبلغ هذا المرض من الأمة حدا يشرف بها على الهلاك ويطرحها على فراش الموت فريسة لكل عاد وطعمة لكل طاعم . نعم رأيت كثيرًا من الأمم لم تكن ثم كانت وارتفعت ثم انحطت وقويت ثم ضعفت وعزت ثم ذلت وصحت ثم مرضت ، ولكن أليسَ لكل علة دواء ؟ بلى . وا أسفا ما أصعب الداء وما أعزّ الدواء وما أقلّ العارفين بطرق العلاج ؟ ! كيف يمكن جمع الكلمة بعد افتراقها وهي لم تفترق إلا لأن كلا عكف على شأنه . . ؟ ! أستغفر الله لو كان له شأن يعكف عليه لما انفصل عن أخيه وهو أشدّ أعضائه اتّصالًا به ، ولكنه صرف لشؤون غيره وهو يظنها من شؤون نفسه . نعم ربما التفت كل إلى ما هو في فطرة كل حيّ من ملاحظة حفظ حياته بمادة غذائه وهو لا يدري من أيّ وجه يحصلها ولا بأيّة طريقة يكون في أمن عليها ، كيف تبعث الهمم بعد موتها وما ماتت إلا بعد ما سكنت زمنًا غير قصير إلى معاليها ، هل من السهل ردّ التائه إلى الصراط المستقيم وهو يعتقد أن الفوز في سلوك سواه خصوصًا بعدما استدبر المقصد وفي كل خطوة يظن أنّه على مقربة من الخطوة . كيف يمكن تنبيه المستغرق في منامه المبتهج بأحلامه وفي أذنه وقرٌ وفي ملامسه خدر ، هل من صيحة تقرع قلوب الآحاد المتفرقة من أمّة عظيمة تتباعد أنحاؤها وتتناءى أطرافها وتتباين عاداتها وطبائعها ، هل من نبأة تجمع أهواءها المتفرقة وتوحّد آراءها المتخالفة بعدما تراكم جهل وران غين وخيل للعقول أن كل قريب بعيد وكل سهل وعر ، وأيم الله إنه لشيء عسير يعيي في علاجه النطاسي ويحار فيه الحكيم البصير .
العروة الوثقى — صفحة 108
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص١٠٨