تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 107

مساهمون:

ص١٠٧

ماضي الأمة وحاضرها وعلاج عللها [ 1 ]

« سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا » [ الأحزاب : 62 ] أرأيت أمّة من الأمم لم تكن شيئًا مذكورًا ، ثم انشق عنها عماء العدم فإذا هي بحمية كل واحد منها كون بديع النظام قوي الأركان شديد البنيان ، عليها سياج من شدّة البأس ويحيطها سور من منعة الهمم تخمد في ساحاتها عاصفات النوازل وتنحل بأيدي مديريها عقد المشكلات . نمت فيها أفنان العزة بعدما ثبتت أصولها ورسخت جذورها وامتد لها السلطان على البعيد عنها والداني إليها ونفذت منها الشوكة وعلت لها الكلمة وكملت القوة ، فاستعلت آدابها على الآداب وسادت أخلاقها وعاداتها على ما كان من ذلك لسابقيها ومعاصريها ، وأحست مشاعر سواها من الأمم بأن لا سعادة إلا في انتهاج منهجها وورود شريعتها وصارت وهي قليلة العدد كثيرة الساحات كأنها للعالم روح مدبّر وهو لها بدن عامل . وبعد هذا كلّه وهي بناؤها وانتثر منظومها وتفرّقت فيها الأهواء وانشقّت العصى وتبدّد ما كان مجتمعا وانحل ما كان منعقدا وانقصمت عُرى التعاون وانقطعت روابط التعاضد وانصرفت عزائم أفرادها عمّا يحفظ وجودها ، ودار كل في محيط شخصه المحدود بنهايات بدنه ، لا يلمح في مناظره بارقة من حقوقها الكلية والجزئية وهو في غيبة عن أن ضروريات حاجاته لا تنال إلا على أيدي الملتحمين معه بلحمة الأمة ، وإنه أحوج إلى شدّ عضدهم من تقوية ساعده وإلى توفير خيرهم من تنمية رزقه وكأنه بهذه الغيبة في سبات يخيله الناظر إليه صحوا ، وذبول يظنه المغرور زهوًا وأخذ القنوط بآمال أولئك المدهوشين فأبادها وحدثت فيهم قناعة
هامش
[ 1 ] . أكثر عناوين المقالات مأخوذة عن تاريخ الإمام ( رحمه الله ) - طبعة مجلة ( المنار ) الإسلامية .
العروة الوثقى — صفحة 107 | سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني / الشيخ محمد عبده