تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 106

مساهمون:

ص١٠٦
وتجافي عن الاختصاس بمزايا الفخفخة الباطلة ، لأمكنه أن يجوز بسطة في الملك وعظمة في السلطان وأن ينال الغاية من رفعة الشأن في الأقطار المعمورة بأرباب هذا الدين ، ولا يتجشّم في ذلك أتعابًا ولا يحتاج إلى بذل النفقات ولا تكثير الجيوش ولا مظاهرة الدول العظيمة ولا مداخلة أعوان التمدن وأنصار الحرية . . . ويستغني عن كل هذا بالسير على نهج الخلفاء الراشدين والرجوع إلى الأصول الأولى في الديانة الإسلامية القويمة ، ومن سيره هذا تنبعث القوة وتتجدد لوازم المنعة . أكرر عليك القول بأن السبب هو الدين الإسلامي لم تكن وجهته كوجهة سائر الأديان إلى الآخرة فقط ، ولكن مع ذل أتى بما فيه مصلحة العباد في دنياهم وما يكسبهم السعادة في الدنيا ، والنعيم في الآخرة وهو المعبّر عنه في الاصطلاح الشرعي بسعادة الدارين ، وجاء بالمساواة في أحكامه بين الأجناس المتباينة والأمم المختلفة . ابيضت عين الدهر وامتقع لون الزمان حتى إن بعضًا من المسلمين على حكم الندرة يعزّ عليهم الصبر ويضيق منهم الصدرلجور حكامهم وخروجهم في معاملتهم عن أصول العدالة الشرعية ، فيلجأون للدخول تحت سلطة أجنبية على أن الندم يأخذ بأرواحهم عند أول خطوة يخطونها في هذا الطريق ، فمثلهم كمثل من يريد الفتك بنفسه ، حتى إذا أحسّ بالألم ورجع واسترجع ، وإن بعض ما يطرأ على الممالك الإسلامية من الانقسام والتفريق ، إنما يكون منشؤه قصور الوازعين وحيدانهم عن الأصول القومية التي بنيت عليها الديانة الإسلامية وانحرافهم عن مناهج أسلافهم الأقدمين ، فإن منابذة الأصول الثابتة والنكوب عن المناهج المألوفة أشدّ ما يكون ضررهما بالسلطة العليا ، فإذا رجع الوازعون في الإسلام إلى قواعد شرعهم وساروا سيرة الأولين السابقين لم يمض قليل من الزمان إلا وقد آتاهم الله بسطة في الملك وألحقهم في العزّة بالراشدين أئمة الدين وفّقنا الله للسداد ، وهدانا طريق الرشاد .
العروة الوثقى — صفحة 106 | سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني / الشيخ محمد عبده