ملوم ، فقد قال صلى الله عليه وسلم : « ليس منّا من دعا إلى عصبية وليس منّا من قاتل على عصبية وليس منّا من مات على عصبية » والأحاديث النبوية والآيات المنزلة متضافرة على هذا ، ولكن يمتاز بالكرامة والاحترام من يفوق الكافة في التقوى - اتباع الشريعة - « إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ » [ الحجرات : 13 ] ، ومن ثم قام بأمر المسلمين في كثير من الأزمان على اختلاف الأجيال من لا شرف له في جنسه ولا امتياز له في قبيله ولا ورث المُلك عن آبائه ولا طلبه بشيء من حسبه ونسبه وما رفعه إلى منصة الحكم إلا خضوعه للشرع وعنايته بالمحافظة عليه . وإن بسطة ملك الوازعين في المسلمين كان يسديها إليهم على حسب امتثالهم للأحكام الإلهية واهتدائهم بهديها وتجردها عن الاعتلاء الشخصي ، وكلما أراد الوازع أن يختصّ نفسه بما يفوق به غيره في أبهته ورفاهة معيشته ، وأن يستأثر على المحكومين بحظ زائد رجعت الأجناس إلى تعصبها ووقع الاختلاف وانقبضت سلطة ذاك الوازع . هذا ما أرشدتنا إليه سير المسلمين من يوم نشأة دينهم إلى الآن ، لا يعتدون برابطة الشعوب وعصبات الأجناس وإنما ينظرون إلى جامعة الدين ، لهذاترى العربي لا ينفر من سلطة التركي ، والفارسي يقبل سيادة العربي ، والهندي يذعن لرياسة الأفغاني ولا اشمئزاز عند أحد منهم ولا انقباض ، وإن المسلم في تبدّل حكوماته لا يأنف ولا يستنكر ما يعرض عليه من أشكالها وانتقالها من قبيل إلى قبيل ما دام صاحب الحكم حافظًا لشأن الشريعة ذاهبًا مذاهبها ، نعم إذا نبا في سيره عنها وجار في حكمه عمّا نصّت عليه وطلب الأثرة بما ليس من حقه ، انصدعت منه القلوب ، وانحرفت عن محبته الأنفس وأصبح وإن كان وطنيا فيهم أشنع حالًا من الأجنبي عنهم . إن المسلمين اختصوا من بين سائر أرباب الأديان بالتأثر والأسف عندما يسمعون بانفصال بقعة إسلامية عن حكم إسلامي بدون التفات إلى جنسها وقبيلها . ولو أن حاكمًا صغيراً بين قوم مسلمين من أي جنس كان تبع الأوامر الإلهية وثابر على رعايتها وأخذ الدهماء بحدودها وضرب بسهمه مع المحكومين في الخضوع لها
العروة الوثقى — صفحة 105
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص١٠٥