فلو زالت الضرورة لهذا النوع من العصبية ، تبع هو الضرورة في الزوال كما تبعها في الحدوث بلا ريب ، وتبطل الضرورة بالاعتماد على حاكم تتصاغر لديه القوى وتتضاءل لعظمته القدرة وتخضع لسلطته النفوس بالطمع ، وتكون بالنسبة إليه متساوية الأقدام ، وهو مبدأ الكل وقهّار السماوات والأرض ، ثم يكون القائم من قبله بتنفيذ أحكامه مساهمًا للكافة في الاستكانة والرضوخ لأحكام أحكم الحاكمين . فإذا أذعنت الأنفس بوجود الحاكم الأعلى ، وأيقنت بمشاركة القيم على أحكامه لعامتهم في التطامن لما أمر به ، اطمأنت في حفظ الحق ودفع الشرّ إلى صاحب هذه السلطة المقدسة واستغنت عن عصبية الجنس لعدم الحاجة إليها فمُحي أثرها من النفوس والحكم لله العلي الكبير . هذا هو السرّ في إعراض المسلمين على اختلاف أقطارهم عن اعتبار الجنسيات ورفضهم أي نوع من أنواع العصبيات ما عدا عصبتهم الإسلامية ، فإن المتدين بالدين الإسلامي متى رسخ فيه اعتقاده ، يلهو عن جنسه وشعبه ويلتفت عن الروابط الخاصة إلى العلاقة العامة وهي علاقة المعتقد . لأن الدين الإسلامي لم تكن أصوله قاصرة على دعوة الخلق إلى الحق وملاحظة أحوال النفوس من جهة كونها روحانية مطلوبة من هذا العالم الأدنى إلى عالم أعلى ، بل هي كما كانت كافلة لهذا جاءت وافية بوضع حدود المعاملات بين العباد وبيان الحقوق كليها وجزئيها ، وتحديد السلطة الوازعة التي تقوم بتنفيذ المشروعات وإقامة الحدود وتعيين شروطها ، حتى لا يكون القابض على زمامها لا من أشد الناس خضوعًا لها ولن ينالها بوراثة ولا امتياز في جنس أو قبيلة أو قوّة بدنية وثروة مالية ، وإنما تنالها بالوقوف عند أحكام الشريعة والقدرة على تنفيذها ورضاء الأمة . فيكون وازع المسلمين في الحقيقة شريعتهم المقدّسة الإلهية التي لا تميز بين جنس وجنس واجتماع آراء الأمة ، وليس للوازع أدنى امتياز عنهم ، إلا بكونه أحرصهم على حفظ الشريعة والدفاع عنها . وكل فخار تكسبه الأنساب وكل امتياز تفيده الأحساب لم يجعل له الشارع أثرًا في وقاية الحقوق وحماية الأرواح والأموال والأعراض ، بل كل رابطة سوى رابطة الشريعة الحقة ، فهي ممقوتة على لسان الشارع والمعتمد عليها مذموم والمتعصب لها
العروة الوثقى — صفحة 104
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص١٠٤