( 61 ) ومن كلام له عليه السلام « في نعت الدنيا ، لما سمع قوما يذمها : »
حمد اللّه واثنى عليه ، وقال : امّا بعد ، فَما بالُ اقْوامٍ يَذُمُّونَ الدُّنْيا ، وَقَدِ انْتَحَلوُا الزُّهْدَ فيها ، الدُّنْيا مَنْزِلُ صِدْقٍ لِمَنْ صَدَّقَها وَمَسْكَنُ عافِيَةٍ لِمَنْ فَهِمَ عَنْها ، وَدارُ غِنىً لِمَنْ تَزَوَّدَ مِنْها ، مَسْجِدُ انْبِيآءِ اللّهِ ، وَمَهْبَطُ وحَيْهِِ ، وَمُصَلّى ملَآئكِتَهِِ ، وَمَسْكَنُ احبِآّئهِِ وَمَتْجَرُ اولْيِآئهِِ ، اكْتَسَبوُا فيهَا الرَّحْمَةَ ، وَرَبِحوُا مِنْهَا الْجَنَّةَ .
فَمَنْ ذا يَذُمُّ الدُّنْيا يا جابِرُ ، وَقَدْ اذَنَتْ بِبَيْنِها ، وَنادَتْ بِانْقِطاعِها ، وَنَعَتْ نَفْسَها بِالزَّوالِ ، وَمَثَّلَتْ بِبَلآئِهَا الْبَلآءُ ، وَشَوَّقَتْ بِسُروُرِها الىَ السُّرُرِ ، وَراحَتْ بِفَجيعَةٍ ، وَابْتَكَرَتْ بِنِعْمَةٍ وَعافِيَةٍ تَرْهيباً وَتَرْغيباً ، فَذَمَّها قَوْمٌ غَداةَ النَّدامَةَ ، وَحَمِدَها اخَروُنَ ، خَدَمَتْهُمْ جَميعاً فَصَدَّقَتْهُمْ ، وَذَكَّرَتْهُمْ فَاذَّكَّرُوا ، وَوَعَظَتْهُمْ فَاتَّعَظُوا ، وَخَوَّفَتْهُمْ فَخافوُا ، وَشَوَّقَتْهُمْ فَاشْتاقوُا .
فَاَيُّهَا الذّآمُّ لِلدُّنْيَا الْمُغْتَرِّ بِغُرُورِها ، مَتَى اسْتَذَمَّتْ الَيْكَ ، بَلْ مَتى غَرَّتْكَ بِنَفْسِها ، ابِمَصارِعِ ابآئِكَ مِنَ الْبِلى امْ بِمَضاجِعِ امَّهاتِكَ مِنَ الثَّرى كَمْ مَرَّضْتَ بِيَدَيْكَ ، وَعَلَّلْتَ بِكَفَّيْكَ تَسْتَوْصِفُ لَهُمُ الدَّوآءَ ، وَتَطْلُبُ لَهُمُ الْأَطِبّآءَ ، لَمْ تُدْرِكْ فيهِ
نهج البلاغة الثاني — صفحة 101
مساهمون: الشيخ جعفر الحائري
ص١٠١