فإنّ الذوات الخارجة إلى الوجود من العدم لا ينعدم أعيانها بعد وجودها ، و لكن يختلف فيها الصور بالامتزاجات . و الامتزاجات التي تعطى هذه الصور أعراض يعرض لها بتقدير « العزيز العليم » ، فإذا تهيّأت هذه الصورة كانت كالحشيش المحترق ( 1 ) و هو الاستعداد لقبول الأرواح ، كاستعداد الحشيش بالنارية التي فيه لقبول الاشتعال ، و الصور البرزخية ، كالسّرج مشتعلة بالأرواح التي فيها ، فينفخ إسرافيل « نفخة واحدة » ، فتمرّ تلك النفخة على تلك الصور البرزخيه فيطفئها ، فتمرّ النفخة التي تليها و هى الاخرى إلى الصورة المستعدّة للاشتعال - و هي النشأة الاخرى - فتشتعل بأرواحها ، فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ . ( 2 ) فيقوم تلك الصور أحياء ناطقة بما ينطّقها اللّه به . فمن ناطق بالحمد للهّ ، و من ناطق يقول : مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا ( 3 ) و من ناطق يقول : « سبحان من أحيانا بعد ما أماتنا و إليه النشور » . و كلّ ناطق ينطق بحسب علمه ، و ما كان عليه ، و نسى حاله في البرزخ ، و يتخيّل أنّ ذلك الذى كان فيه منام ، كما تخيلّه المستيقظ ، و قد كان حين مات و انتقل إلى البرزخ كان المستيقظ ( 4 ) هناك ، و أنّ الحياة الدنيا كانت له كالمنام . و في الآخرة يعتقد في أمر الدنيا و البرزخ ، أنهّ في منام و أنّ اليقظة الصحيحة هى التي هو عليها في الدار الآخرة . و هو في ذلك الحال يقول : إنّ الإنسان في الدنيا كان في منام . ثمّ انتقل بالموت إلى البرزخ . فكان في ذلك بمنزلة من يرى في المنام أنهّ استيقظ في النوم . ثمّ بعد ذلك في النشأة الآخرة ، هى اليقظة التي لا نوم فيها ، و لا نوم بعدها لأهل السعادة . لكن لأهل النار فيها لاحثهم ( 5 ) ، كما قدّمنا . و قد قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه و آله و سلّم - : « النّاس نيام فإذا ماتوا انتبهوا » ( 6 ) . فالدنيا بالنسبة الى البرزخ نوم و منام . فإنّ البرزخ أقرب الى أمر الحقّ ، فهو أولى باليقظة . و البرزخ بالنظر الى النشأة الاخرى ، يوم القيامة منام . فاعلم ذلك
منهاج الولاية في شرح نهج البلاغة ( فارسى ) — صفحة 1073
مساهمون: ملا عبد الباقى صوفى تبريزى ( دانشمند )
ص١٠٧٣
هامش
( 1 ) الفتوحات : المحرق
( 2 ) الزمر : 68
( 3 ) يس : 52
( 4 ) الفتوحات : كالمستيقظ
( 5 ) همان : راحتهم
( 6 ) بحار الانوار ، ج 73 ، ص 39