و العارف الصادق إذا كان فى عين الجمع لا يرى شيئا إلّا و يرى الحقّ بعينه . لأنّ فى حقيقة الحقيقة ما بدا منه هو فعله ، و فعله غرق فى صفاته ، و صفاته قائمة بذاته . فإذا شاهده فى نفسه كما شاهده فى آياته ، يختلط الأمر ، و يغيب الحدث فى القدم ، و يحلّ عليه سكر الأنانية ، فيدّعى الربوبية . لأنّ مشاهدة الآيات يقتضى العشق و المحبّة و مشاهدة الحقّ فى مرآت النفس يقتضى الإتّحاد من تأثير مباشرة سرّ التجلّى و هذا حال الحلّاج - قدّس اللّه روحه - حيث قال : « أنا الحقّ » و حال الأوّل حال الواسطى حيث قال : « ضحكت الأشياء للعارفين بأفواه القدرة ، بل بأفواه الربّ . » لو ترى يا شاهد مشاهدة الحقّ فى الآيات ، ترى أنوار العظمة و الكبرياء من عيون الأساد ( 1 ) و أنياب الثعابين ( 2 ) و ترى أنوار جماله من أوراق الورد و النرجس و الياسمين و وجوه الحسان و تسمع أصوات الوصلة من ألحان الطيور و البلابل و العنادل و أصوات الرياح و السحاب و الإنسان و الأوتار . ألا ترى قوله - عليه الصلاة و السلام - : « الورد الأحمر من بهاء اللّه ، من أراد أن ينظر إلى بهاء اللّه فلينظر إلى الورد الأحمر . » قال اللّه تعالى : ( 3 ) حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أنَهَُّ الْحَقُّ أى سنريهم هذه الحقائق فى الآيات و فى أنفسهم حتّى يتبيّن لهم أنّها هى الحقّ لا الآيات و لا الآفاق و لا الأنفس ، بل لاح الحقّ من الحقّ لأهل الحقّ و تأكيد ذلك برهان ظهوره من كلّ شيء و شهوده على كلّ ذرّة من العرش إلى الثرى بنعت التجلّى ، و تبسّم صبح الأزل فى عيون المشاهدين حلّا له . قوله ( 4 ) : سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أى ظاهر من كلّ شيء بسطوع نور أزلية منه لكلّ مستأنس شاهد به فيه . قال الواسطى : « ظهر فى كلّ شيء بما أظهر منه ، و إظهاره الأشياء ظهوره بها . »
منهاج الولاية في شرح نهج البلاغة ( فارسى ) — صفحة 94
مساهمون: ملا عبد الباقى صوفى تبريزى ( دانشمند )
ص٩٤
هامش
( 1 ) حاشيهء مر : جمع اسد .
( 2 ) حاشيهء مر : جمع ثعبان
( 3 ) فصّلت : 53 .
( 4 ) همان : 53