و اعلم أنّ مجالسة هؤلاء الأقوام لغير المؤمن بهم خطر عظيم و خسران مبين . كما قال بعض السادة - و أظنهّ رويما - : من قعد معهم و خالفهم فى شيء ممّا يتحقّقون به فى سرائرهم نزع اللّه نور الإيمان من قلبه . فلا يزال الإنسان على الحالة الّتى هو عليها حتّى يقوم له الشاهد بالخروج عنها . فمن كان فى حالة الكتم كتم ، و من كان فى حالة الإظهار أظهر و أفشى . قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكلِتَهِِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلًا ( 1 ) من هؤلاء الفرق . فاللهّ يجعلنا و إيّاكم ممّن على بيّنة من ربهّ . فإن تلاه شاهد فحسن و مزيد طمأنينة و تقوية للنفس فيما هى بسبيله ، و إن لم يكن ذلك ففى كونه على بيّنة من ربهّ كفاية . »
و كتب صاحب العوارف - رضى اللّه عنه - إلى الأمام الرازى - رحمة اللّه عليه - : « من تعيّن فى الزمان لنشر العلم فقد عظمت نعمة اللّه لديه ، وجب على المتفطّنين الحذّاق من أرباب الديانات أن يمدوّه بالدعاء الصالح ليصفّى اللّه تعالى موارد علمه بحقائق التقوى ، و مصادره من شوائب الهوى ، إذ قطرة من الهوى تكدّر بحرا من العلم ، و إذا صفت موارد العلم و مصادره من الهوى أمدته كلمات اللّه التي تنفد البحار دون نفادها ، و نفى العلم على كمال قوتّه لا يضعفه تردّد ( 2 ) فى تجاويف الأفكار ، فتجزيّه الأفكار و تشعبّه . و هذه رتبة الراسخين فى العلم لا المترسّمين بصورة العلم المتشعّب المتجزّى ، و هم ورّاث الأنبياء - عليهم السلام - كرّ عملهم على العلم ، و تناوب العلم و العمل فيهم ، و صفت أعمالهم و لطفت حتّى صارت مسامرات سرّية و محاورات روحية ، و تشكّلت المعلوم بالأعمال لقوّة فعلها و