من قواها هل بصرها أم سمعها أو شمّها أم لمسها أو طعمها فإنّى و اللّه قد علمت أىّ قوّة أنا من هذه الصورة . للهّ الحمد على ذلك و لا تظنّ يا ولىّ أنّ اختصاصنا فى المنزلة من هذه الصورة منزلة ( 1 ) القوى الحسّية من الإنسان ، بل من الحيوان ، أنّ ذلك نقص بنا عن منزلة القوى الروحانية . لا تظنّ ذلك ، بل هى أتمّ القوى ، لأنّ لها الاسم الوهّاب ، لأنّها هى التي تهب القوى الروحانية ما يتصرّف فيه و ما تكون به حياتها العلمية من قوّة خيال و فكر و حفظ و تصوير ( 2 ) و وهم و عقل ، و كلّ ذلك من موادّ هذه القوى الحسّية ، و لهذا قال اللّه تعالى فى الذى أحبهّ من عباده : « كنت سمعه الّذى يسمع به و بصره الّذى يبصر به . » ( 3 ) و ذكر الصورة المحسوسة ، و ما ذكر من القوى الروحانية شيئا ، و لا أنزل نفسه منزلتها ، لأنّ منزلتها منزلة الافتقار إلى الحواسّ ، و الحقّ لا ينزل منزلة من يفتقر إلى غيره ، و الحواسّ مفتقرة إلى اللّه لا إلى غيره . فنزل لمن هو مفتقر إليه لم يشرك به أحدا ، فأعطاها الغنى ، فهى تأخذ ( 4 ) منها و عنها ، و لا تأخذ هى من سائر القوى إلّا من اللّه . فاعرف شرف الحسّ و قدره و أنهّ عين الحقّ و لهذا لا تكمل النشأة الآخرة إلّا بوجود الحسّ و المحسوس ، لأنّها لا يكمل إلّا بالحقّ . فالقوى الحسّية هم الخلفاء على الحقيقة فى أرض هذه النشأة عن اللّه . ألا تراه سبحانه كيف وصف نفسه بكونه : « سميعا ، بصيرا ، متكلّما ، حيّا ، عالما ، قادرا ، مريدا » و هذه كلّها صفات لها أثر فى المحسوس ، و يحسّ الإنسان من نفسه قيام هذه القوى به . و لم يصف سبحانه نفسه بأنهّ عاقل ، و لا مفكّر ، و لا متخيّل ، و ما أبقى له من القوى الروحانية إلّا ما للحسّ مشاركة فيه ، و هو الحافظ و المصوّر ، فإنّ الحسّ له أثر فى الحفظ و التصوير . فلولا الاشتراك ما وصف الحقّ بهما نفسه . فهو الحافظ المصوّر ، فهاتان صفتان روحانية و حسّية .
منهاج الولاية في شرح نهج البلاغة ( فارسى ) — صفحة 461
مساهمون: ملا عبد الباقى صوفى تبريزى ( دانشمند )
ص٤٦١
هامش
( 1 ) الفتوحات : بمنزلة .
( 2 ) همان : تصوّر
( 3 ) بحار الأنوار ، ج 67 ، ص 22 .
( 4 ) الفتوحات : يؤخذ