لبعض خواصهّ من خلف خطاب التنزيه أسرار عظيمة ، و مع هذا لم يبلغوا فيها مبلغ المتأخّرين من هذه الأمّة . لأنّهم أخذوها عن موادّ حروف القرآن و الأخبار النبوية . فكانوا من ذلك بمنزلة السهر الذين يتحدّثون من أوّل الليل قبل نومهم ، فلمّا وصل زمان ثلث هذه الليلة ، و هو الزمان الذى نحن فيه ، إلى أن يطلع الفجر ، فجر ( 1 ) القيامة ، و البعث و يوم الحشر و النشر ، تجلّى الحقّ فى ثلث هذه الليلة ، و هو زماننا ، فأعطى من العلوم و الأسرار و المعارف فى القلوب بتجليّه ما لا تعطيه حروف الأخبار . فإنهّ أعطاها فى غير موادّ ، بل المعاني مجرّدة . فكانوا أتمّ فى العلم ، و كان القرن الأوّل أتمّ فى العمل ، و أمّا الإيمان فعلى التساوى . فإنّ هذه النشأة لمّا فطرت على الجسد ، و بعث فيها نبىّ من جنسها ، فما آمن به إلّا قوىّ على دفع نفسه ، لما فيها من الجسد ( 2 ) وجب السفوف ( 3 ) و النفور من الحكم عليها ، و لا سيّما إذا كان الحاكم عليها من جنسها يقول ( 4 ) : بماذا فضل علىّ حتّى يتحكّم فىّ بما يريد فينسب من المؤمن إلى الصحابة من القوّة فى الإيمان ما لا ينسب إلى من ليست له مشاهدة تقدّم جنسه عليه . فكان اشتغالهم بدفع قوّة سلطان الجسد ( 5 ) أن يحكم فيهم بالكفر ، يمنعهم من إدراك غوامض العلوم و أسرار الحقّ فى عباده ، و لم تحصل له رتبة الإيمان بغيب صورة الرسول و ما جاء به ، لكونهم مشاهدين له و لصورة ما جاء به . فلمّا جاء زماننا ، وجدنا أوراقا مكتوبة سوادا فى بياض ، و أخبارا منقولة و وجدنا القبول عليها ابتداء لا تقدر ( 6 ) على دفعه نفوسنا ( 7 ) ، إذ وفّقنا اللّه ، علمنا أنّ قوّة نور الإيمان أعطى ذلك ، و لم نجد تردّدا ، و لا طلبنا آية و لا دليلا على صحّة ما وجدناه مكتوبا من القرآن و لا منقولا من الأخبار ، علمنا على القطع قوّة الإيمان الذى أعطانا اللّه عناية منه ، و كنّا فى هذه
منهاج الولاية في شرح نهج البلاغة ( فارسى ) — صفحة 459
مساهمون: ملا عبد الباقى صوفى تبريزى ( دانشمند )
ص٤٥٩
هامش
( 1 ) مج : ( فجر ) محذوف .
( 2 ) الفتوحات : من الحسد
( 3 ) همان : وجب التفوق .
( 4 ) همان : تقول
( 5 ) همان : الحسد .
( 6 ) همان : لا نقدر
( 7 ) همان : من نفوسنا