ذلك الوقت يعد ذلك جريمة من أبي إسحاق لا تغتفر ، إلا أن الكيد والمكر اللذين خادعه بهما ، لم يحتج إليهما في إرواء أحقاده من أبي إسحاق . فقد دخل عليه بعض من أصدقائه وهو في شغل شاغل بكتابه فسأله عما يعمل فقال : « أباطيل أنمقها وأكاذيب ألفقها » ولعله قد أعجل بعضد الدولة حقده عليه فمكر به وأرسل إلى الصابي خائنا من أودائه يتهمه بهذه المقالة فلا يظن فيه أنه يتهمه بذلك ، ولما سمعها عضد الدولة أمر به أن يوطأ أخفاف الفيلة ، فشفع فيه رجال الديوان يقبلون الأرض من بين يديه ، فعفا عنه وأمر بالقبض عليه ، واستقصى أمواله ومصادرتها وبقي في اعتقاله بضع سنين ، ثم أفرج عنه وقد ساءت حاله .
أترى أن أبا إسحاق لم يكن من الناقمين على الدولة والشانئين لمليك البلاط ، وقد أفقده العدم وكبر السن أن يستعيد مقامه الأول .
وشخص مثل أبي إسحاق نشأ في أحضان الدولة وملك ناصية أمرها ، وبلغ أقصى درجة فيها . إذا خسر مقامه وطرد من أبوابها ، لابد أن يتصل ويميل إلى من يرشح نفسه ويعدها ويستعد للتوثب عليها ، وهدم عروشها ويرى أن من حقه سلطانها وهؤلاء جميعا لا بد أن يستكتلوا فئة وحزبا ، ويتفاهموا عصابة وحربا ، ولقد كان من أهم الأسباب للفتك بأبي إسحاق ممالأته لبختيار الذي كان كاتب إنشائه وكلمته في حقه ، وبختيار هذا كما علمت ، ابن خالة جد الشريف لأمه . الأمر الذي كان من أهم أسباب الصلة بين الشريف والصابي منكوب عضد الدولة - الذي فتك ببختيار وجنوده كما هو معلوم في التاريخ - وأبو إسحاق أديب ، يستهويه الخيال ويتحول في نفسه إلى حقيقة ماثلة ، فكان
الشريف الرضي — صفحة 43
مساهمون: الشيخ محمد رضا كاشف الغطاء
ص٤٣