وفي الحجيج مطمع وسلب أموال ونشب ، فهو مرعى الغزاة وأكلة القطاع ، وفيه تروج سوق البسالة ، وتغلو سلع التضحية وتنفق بضاعة الفتوة وتستمجد البطولة ، فكان تردد الشريف في ذلك الطريق في أعوام كثيرة من عمره ، يوجب أن تتولد في نفسه مزايا النخوة ، والذب عن كرامة المعاصم ، وتزكو فيها الفحولة وخيلاء الشجعان ، وترتاح لعجيج الخيل تحمى الذمار من الذمائر ، وتستنغم مطربة لاصطكاك القنا ووقع الحديد ، وقد نفخت تلك الأحوال روحا في شعر الشريف وتيمته إلى مواقعتها ، وملأت ديوانه بوصفها ، وصيرته بحق شاعر الحرب ، شاعر النخوة ، شاعر الفحولة ، شاعر الحديد والدم ، ولو أردنا أن نورد شاهدا على ذلك من شعر الشريف لأوردنا شعره كله .
ولا تنكشف الكرب كلها في البوادي والقفار ، ولا يستطيع السيف وحده أن يحمي القطار ، بل لا بد من الموفاة بعد ذلك إلى المصانعات ، وشد الصلات بالأمراء والسراة المالكين على نواصي البوادي ، المتنفذين بأقوامهم في مجاهلها والمصرفين لمقدراتها ، ولا بد للشريف أن يعمل هذا التدبير .
ومودته ( لابن ليلى ) كانت من هذه الناحية ، ثم اطردت واستدرجت الشريف إلى أن كان يفشي إليه بسرائره وأمانيه وخواطره وما يجيش في نفسه وكان يقع ذلك في جو ملائم ، وكأنما ظفر كل واحد منهما بصاحبه الذي لا يستغني عنه ، ووزيره إلى الغاية التي يطمح إليها ، فمن هذا الأعوان والفرسان ولذاك الخلافة والسلطان وفيهما المزايا متوفرة .
الشريف الرضي — صفحة 38
مساهمون: الشيخ محمد رضا كاشف الغطاء
ص٣٨