والشريف قد مارس إمارة الحج منذ صباه ، تولاها في أغلب أعوام عمره وزيرا لأبيه ، ونائبا عنه ، ومستقلا فيها . وقد تذوق في ذلك منذ نشأ ما افتتنت به نفسه وخالط أعماقها من المطامع والمطامح السياسية .
وكانت هذه الأمارة تجربة ومثالا مصقولا مصغرا من تلك الرتبة السامية ، والشأن الإسلامي العظيم الذي يتوق إليه . ويرى أنه الأجدر به من أولئك المهتضمين المتطفلين ، وقد أذكت في نفسه شعورا عميقا ملتهبا . فكان إذا رجع إلى بغداد وتطامن لأحكام السلاطين والخلفاء ، وانتقل من دور سيد إلى مسود ومن سلطان إلى رعية ، أضجره الحال ويئس من ذلك وطفق يتذمر من عاصمة العباسيين ، منقطع إمارته ومنتهى تخومها فيقول سنة 324 ه :
مالي لا أرغب عن بلدة * ترغب في كثرة حسادي
ما الرزق بالكرخ مقيما * ولا طوق العلى في جيد بغداد
ويحن إلى تلك البوادي والقفار التي يتلابس فيها مع السلطة والأمارة ، والتي فيها طوق العلى . ويتعشق مضارب أطنابها ومراتع غزلانها ، وتطيب نفسه بذكرى تنسم نسمات أجوائها ومشاهدة أطلالها ، ويستعرض فيها تاريخ الغابرين من أشياخه ، وهي مغرس مجده وفيها مستنبت دوحة العلى ، فكان يبدع في شعره عند ذكرى ذلك ، وتفيض علينا قريحته بأرق ما نقرأ في ديوان شعره فيقول :
عارضا بي ركب الحجاز أسا * ئله متى عهده بسكان سلع
فاتني أن أرى الديار بطرفي * فلعلي أرى الديار بسمعي
ويقول :
يا قلب ما أنت من نجد وساكنه * حلفت نجدا وراء المدلج الساري