شعر الرضي على شعر أبي الطيب المتنبّي .
وإذا تأملنا في شعر الشريف الرضي ، وجدناه منطبعا بطابع لا يوجد في غيره من الشعراء ، ويعسر علينا وصفه والتعبير عنه ، فان حسن الشعر ومتانته وجودته بمثابة الجمال والكمال في الانسان ، فمن نظر إلى الوجه الجميل من أهل الأذواق علم أنه جميل ، ولكن يعسر عليه أن يبين أسباب جماله وتفاصيلها ، وكذلك إذا استمع ذو الطبع المستقيم إلى القصيدة الجيدة ، والخريدة الممتعة عرف انها من الشعر الجيد والنظم المتين ، إلّا أنه من الصعب عليه أن يفصل ويشرح الأسباب في جودتها ، ولعله إلى ذلك ينظر
كلام أمير المؤمنين عليه السّلام حين سئل عن أشعر الشعراء فقال عليه السّلام : إنّ القوم لم يجروا في حلبة واحدة فيعرف السابق منهم ، فإن كان ولا بد فالملك الضليل .
ومن هنا يمكن القول : أن شعر الرضي مطبوع ، بطابع خاص من البلاغة والبداوة والبراعة وعذوبة اللّفظ ، والأخذ بمجامع القلوب ، وغير ذلك من المميزات والمحسنات والسمات التي لا تكاد تجدها في غيره ، ولا نكون بعيدين عن الصواب ولا منجرفين إلى المغالاة إذا قلنا أن الشريف الرضي ، بين الشعراء أمة برأسه ونسيج وحده ، لا يشاركه شاعر مهما أوتي من قوة البلاغة وملاحة الإجادة .
هذا ومما امتاز به شعر الرضي - رضي اللّه تعالى عنه - أنه نقى طاهر من كل ما يتعاطاه الشعراء ، من الغزل ، والنسيب ، والهجاء المقذع ، والتلون في المدح تارة ، والذم أخرى ، لأنه لم يمدح لأغراض مادية ، وأسباب للحصول على المال ، فلم يكن شأنه شأن بقية الشعراء في هذا المضمار ، وإنّما كان بدافع الصداقة ، والاخوة ، والمحبة ، والاكبار كما نص عليه المؤرخون بصورة عامة ، فهو لم يمدح الملوك ، والخلفاء ، والامراء ابتغاء أموالهم وعطاياهم ، وإنما للمحبة
الشريف الرضي — صفحة 39
مساهمون: محمد هادي الأميني
ص٣٩