من العبارات الزاهية تطوف على النفوس الزاكية ، وتدنوا من القلوب الصافية توحى إليها رشادها وتقوم منها مرادها ، وتنفر بها عن مداحض المزال إلى جواد الفضل والكمال .
وطورا كانت تنكشف لي الجمل عن وجوه باسرة وأنياب كاشرة ، وأرواح في أشباح النمور ومخالب النسور قد تحفزت للوثاب ، ثم انقضت للاختلاب فخلبت القلوب عن هواها ، وأخذت الخواطر دون مرماها ، واغتالت فاسد الأهواء وباطل الآراء .
وأحيانا كنت أشهد أن عقلا نورانيا ، لا يشبه خلقا جسدانيا فصل عن الموكب الآلهي ، واتصل بالروح الانساني فخلعه عن غاشيات الطبيعة ، وسما به إلى الملكوت الأعلى ، ونما به إلى مشهد النور الأجلى . وسكن به إلى عمار جانب التقديس بعد استخلاصه من شوائب التلبيس .
وآنات كأني أسمع خطيب الحكمة ينادي بأعلياء الكلمة ، وأولياء أمر الأمة يعرفهم مواقع الصواب ، ويبصرهم مواضع الإرتياب ويحذرهم مزالق الاضطراب ، ويرشدهم إلى دقائق السياسة ، ويهديهم طرق الكياسة ويرتفع بهم إلى منصات الرئاسة ، ويصدهم شرف التدبير ويشرف بهم على حسن المصير .
ذلك الكتاب الجليل ، هو جملة ما اختاره السيد الشريف الرضي . . . رحمه اللّه من كلام سيدنا مولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه ، جمع متفرقة وسماه بهذا الاسم ( نهج البلاغة ) ولا أعلم اسما أليق بالدلالة على معناه منه ، وليس في وسعي أن أصف هذا الكتاب بأزيد ممّا دلّ عليه اسمه ، ولا أن آتي بشيء في بيان مزيته فوق ما أتى صاحب الاختيار ، كما ستراه في مقدمة الكتاب ، ولولا ان غرائز الجبلة وقواضي الذمة تفرض علينا عرفان الجميل لصاحبه وشكر المحسن على احسانه ، لما احتجنا إلى التنبيه على
الشريف الرضي — صفحة 147
مساهمون: محمد هادي الأميني
ص١٤٧