تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشريف الرضي — صفحة 145

مساهمون:

ص١٤٥
والأول باطل بالضرورة لأنا نعلم بالتواتر ، صحة إسناد بعضه إلى أمير المؤمنين عليه السّلام ، وقد نقل المحدثون كلهم أو جلهم والمؤرخون كثيرا منه ، وليسوا من الشيعة لينسبوا إلى غرض في ذلك . والثاني يدل على ما قلناه لأن من قد أنس بالكلام والخطابة وشدا طرفا من علم البيان ، وصار له ذوق في هذا الباب ، لا بد أن يفرّق بين الكلام الركيك والفصيح ، وبين الأصيل والمولد ، وإذا وقف على كرّاس واحد يتضمن كلاما لجماعة من الخطباء أو لاثنين منهم فقط ، فلا بد أن يفرق بين الكلامين ويميز بين الطريقين ، ألا ترى إنا مع معرفتنا بالشعر ونقده لو تصفحنا ديوان أبي تمام فوجدناه قد كتب في أثنائه قصائد أو قصيدة واحدة لغيره ، لعرفنا بالذوق مباينتها لشعر أبي تمام ونفسه وطريقته ، ومذهبه في القريض . ألا ترى أن العلماء بهذا الشأن حذفوا من شعره قصائد كثيرة منحوله إليه لمباينتها لمذهبه في الشعر ، وكذلك حذفوا من شعر أبي نواس شيئا كثيرا لما ظهر لهم أنه ليس من ألفاظه ولا من شعره ، وكذلك غيرهما من الشعراء ولم يعتمدوا في ذلك إلا على الذوق خاصة ، وأنت إذا تأملت ( نهج البلاغة ) وجدته كله ماءا واحدا ، ونفسا واحدا ، وأسلوبا واحدا ، كالجسم البسيط الذي ليس بعض من أبعاضه مخالفا لباقي الأبعاض في الماهية ، وكالقرآن العزيز أوله كأوسطه ، وأوسطه كآخره ، وكل سورة منه ، وكل آية مماثلة في المأخذ والمذهب والفن والطريق ، والنظم لباقي الآيات والسور ، ولو كان بعض ( نهج البلاغة ) منحولا وبعضه صحيحا ، لم يكن ذلك كذلك فقد ظهر لك بهذا البرهان الواضح ضلال من زعم أن الكتاب أو بعضه منحول إلى أمير المؤمنين عليه السّلام . واعلم أن قائل هذا القول يطرق على نفسه ما لا قبل له به لأنا متى فتحنا هذا الباب ، وسلطنا على أنفسنا في هذا النحو لم نثق بصحة كلام منقول عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، أبدا وساغ لطاعن أن يطعن ويقول
الشريف الرضي — صفحة 145 | محمد هادي الأميني