في ذلك لتركته تواضعا للهّ الذي هو أحق بذلك وأولى من كل أحد لعظمته وكبريائه وعلو مقامه .
( وربما استحلى الناس الثناء بعد البلاء فلا تثنوا علي بجميل ثناء لإخراجي نفسي إلى اللّه سبحانه وإليكم من التقية في حقوق لم أفرغ من إدائها وفرائض لا بد من امضائها ) أراد أن يمهد ويعتذر لمن مدحه وأثنى عليه بأن الإنسان إذا قدم شيئا من التضحيات وأنجز بعض المهمات استحسن الثناء وأحب المدح والاطراء جزاء عما قدم إنه يحب كلمة شكر على عمله وما قام به . . . ثم نهاهم أن يثنوا عليه ويمدحوه ويجلوه وعلل ذلك بأنه قد أخرج نفسه للهّ وأراد أن يؤدي حقه ويقوم بواجبه وواجب أمره ونهيه لأنه عندما يقوم بذلك يقوم بواجب النعمة ومن يقوم بذلك لا يطلب مدحا ولا يريد اطراء وكذلك يريد أن يخرج نفسه من خدمتهم الواجبة عليه وما هو مطلوب منه من الحقوق نحوهم فهو في كلا الأمرين يقوم بما هو واجب عليه ولا شكر على واجب كما يقال . . . ( فلا تكلموني بما تكلم به الجبابرة ولا تتحفظوا مني بما يتحفظ به عند أهل البادرة ولا تخالطوني بالمصانعة ولا تظنوا بي استثقالا في حق قيل لي ولا التماس اعظام لنفسي فإنه من استثقل الحق أن يقال له أو العدل أن يعرض عليه كان العمل بهما أثقل عليه ) بعد أن قدّم أنه إنما يعمل للهّ ولهم ويقوم بواجبه نحو اللّه ونحوهم نهاهم عن أمور لا يريد أن يتعاملوا بها معه .
نهاهم أن يكلموه بما تكلم به الجبابرة : فإن الطغاة والظالمين والفراعنة قد عبدوا الناس لهم وجعلوا لأنفسهم ألقابا وأسماء فيها التعظيم والرهبة . . . مالك رقاب الناس . . . سلطان السلاطين . . . خليفة اللّه . . . ملك الملوك . . . ظل اللّه في الأرض . . . مولاي السلطان . . . الحضرة الملوكية . . . إلى آخر الألقاب التي وضعها الجبابرة لأنفسهم . . . ولا تتحفظوا مني بما يتحفظ به عند أهل البادرة : أي لا تهابوني وتحترزوا مني فتمتنعوا من الحديث معي والبوح لي بما تريدون كما هي حالة الملوك الذين تعرفون من حيث يغضبون لأنفسهم بمجرد أن لا يعجبهم منطق إنسان أو لا يوافق مزاجهم فيبادرون مستعجلين إلى الانتقام منه لأنفسهم وغضبا لذاتهم . . . ولا تخالطوني بالمصانعة : إذا أردتم أن تكونوا معي في الحياة وتكون بيننا معاشرة ومخالطة ومصاحبة ولقاء فلا تتعاملوا معي بالمداراة والنفاق والخوف بل كونوا صريحين
شرح نهج البلاغة — صفحة 503
مساهمون: السيد عباس علي الموسوي
ص٥٠٣