ثم إنه عليه السلام لما نبهّ على ما ينفع المرء ويصلحه أراد أن ينبه إلى موارد يمكن أن يقع منها الفساد .
أولا : « أن لا يعين على نفسه الغواة بتعسف في حق » وقد فسره بعض شراح النهج بأن يتعسف في حق يقوله أو بأمر به فإن الرفق أنجح وقال بعضهم أيضا : أي لا يحملهم على مر الحق وصعبه فإن ذلك يوجب لهم النفرة عمن يقوله ويأمر به . . . ولكن الأقرب في التفسير هو أن لا يهوّن على الغواة ما هم فيه بمجاراتهم وخلق الأعذار لهم والتفتيش عن الحيل الشرعية البعيدة التي تصحح ما هم فيه فيكون بذلك قد أضر نفسه وجنى عليها لأنه سعى لإرضاء مخلوق بمعصية الخالق . . . وثانيا : أن لا يعين على نفسه بتحريف في نطق أي لا يكذب في منطقه ولا يحرّف الكلم عن موضعه طلبا لرضا الغواة فإن ذلك يضره .
وثالثا : أن لا يتخوّف من صدق يمكن أن يقوله فإن الصدق مهما كان مرّا فيه لذة وفيه ثمرة . . . ( فأفق أيها السامع من سكرتك واستيقظ من غفلتك واختصر من عجلتك وأنعم الفكر فيما جاءك على لسان النبي الأمي - صلّى اللّه عليه وآله وسلم - مما لا بد منه ولا محيص عنه ) أمرهم عليه السلام بأوامر ونصحهم بنصائح كلها تعود إليهم وهي : 1 - أفق أيها السامع من سكرتك واستيقظ من غفلتك نبهه إلى أن يفيق ويستيقظ من الغفلة وعبّر عن تلك الفترة بالسكرة لأن الغافل قد عطّل عقله فأشبه السكران في ذلك .
2 - اختصر من عجلتك : أي خفف من سرعتك في طلب الدنيا فإن كل متاعها إلى زوال وقال بعضهم : لا تعجل في أمر حتى تتبين عواقبه .
3 - أمره بأن يفكر مليا ويدقق فيما جاء به النبي من كتاب وسنة وتشريع وتقنين فإن هناك من الأمور ما لا بد منه لكل مسلم كمعرفة أصول الدين والعبادات المكلف بها وما يمكن أن يقع فيه من أمور . . . وقيل : إنه أمر بأن يفكر في الموت وما بعده مما جاءت به الروايات عن النبي ويروض نفسه على الخير وعلى ما بعد الموت . . . ( وخالف من خالف ذلك إلى غيره ودعه وما رضي لنفسه وضع فخرك واحطط كبرك واذكر قبرك فإن عليه ممرك وكما تدين تدان وكما تزرع تحصد وما قدمت اليوم تقدم عليه غدا فامهد لقدمك وقدم ليومك فالحذر الحذر أيها المستمع والجد الجد أيها الغافل ولا ينبئك مثل خبير ) لا يزال عليه السلام يلقي نصائحه .
شرح نهج البلاغة — صفحة 489
مساهمون: السيد عباس علي الموسوي
ص٤٨٩