تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 488

مساهمون:

ص٤٨٨
مدبرا واستدبروا مقبلا فلم ينتفعوا بما أدركوا من طلبتهم ولا بما قضوا من وطرهم ) هذه موعظة لأصحابه وتنبيه لهم بما يلاقيه الضالون . إنها ساعات صعبة تلك الساعات التي يكشف اللّه فيها للضالين جزاء معصيتهم من عذاب أليم ونار وحميم ويرفع عنهم الغشاوة التي كانت تمنع الرؤية الصحيحة في الدنيا ، إنه الموت إذا نزل بساحة إنسان انكشف عنه الغطاء فرأى الأمور على حقيقتها ونال جزاء معصيته وعندها استقبلوا ما كان مدبرا من الموت وما بعده من حساب وجزاء كما أنهم استدبروا ما كان مقبلا من الدنيا المتجسدة بالأموال والبنين وكل حطام الدنيا ، لقد تخلوا عن كل ذلك وأصبح وراء ظهورهم لم ينتفعوا بما أدركوه من أموال وأولاد وتراث لأن كل ذلك تخلف عنهم ولم ينتفعوا أيضا بما قضوا من لذات خاصة وملذات . إنهم تركوا كل ما خولهم اللّه في دار الدنيا وراء ظهورهم وتوجهوا نحو الحساب ليأخذوا العذاب نتيجة انحرافهم واسفافهم وبعدهم عن اللّه . . . ( إني أحذركم ونفسي هذه المنزلة فلينتفع امرؤ بنفسه فإنما البصير من سمع فتفكر ونظر فأبصر وانتفع بالعبر ثم سلك جددا واضحا يتجنب فيه الصرعة في المهاوي والضلال في المغاوي ولا يعين على نفسه الغواة بتعسف في حق أو تحريف في نطق أو تخوف من صدق ) حذّر المخاطبين من الغفلة وأدخل نفسه معهم تطيبا لقلوبهم ليكون شريكهم في هذا التحذير فيكونوا إلى الانقياد له أقرب وعن النفرة والآباء أبعد وبعد أن حذرهم الدنيا وما فيها رغبهم بما ينفع ويفيد في الآخرة وأمرهم أن ينتفع كل إنسان بنفسه بأن يوجهها إلى طاعة اللّه والعمل بما أمر والاجتناب عما نهى ويسارع في الخيرات . ثم بين طرق الانتفاع وهو ما عليه أهل البصر وهؤلاء قوم سمعوا الآيات ففكروا فيها وانتفعوا بما فكروا فهداهم عقلهم إلى السير على نهج الحق والعدل وما جاء به الأنبياء وحملته الرسل إلى العباد . وأهل البصر أيضا قوم نظروا في الدنيا وزوالها وما ينفع منها فأبصروها على حقيقتها وأدركوا ما يمر عليهم وما يشاهدون وكذلك أخذوا العبرة والعظة والدروس المفيدة لهم في دنياهم وآخرتهم . وبعد هذا الفكر الذي تولد عن البصر والسمع وأخذ العبر ساروا في الطريق المستقيم الواضح ولم يميلوا إلى المنعطفات أو المواقع التي تضل أو تنحرف بهم عن سبيل اللّه . . . إنهم قوم أخذوا قوانين الشريعة يحذافيرها والتزموا بها بحدودها ولم يفرطوا بشيء منها وتركوا كل ما يؤدي إلى الانحراف أو الضلال . . .
شرح نهج البلاغة — صفحة 488 | السيد عباس علي الموسوي