بالأمور على حقائقها وأصولها إلا العالم بها العارف بكنهها يشير إلى نفسه الشريفة ومدى معرفته بها وبدقائقها . . . ( إن من عزائم اللّه في الذكر الحكيم التي عليها يثيب ويعاقب ولها يرضى ويسخط أنه لا ينفع عبدا وإن أجهد نفسه وأخلص فعله أن يخرج من الدنيا لاقيا ربه بخصلة من هذه الخصال لم يتب منها : أن يشرك باللهّ فيما افترض اللّه عليه من عبادته أو يشفي غيظه بهلاك نفس أو يعرّ بأمر فعله غيره أو يستنجح حاجة إلى الناس بإظهار بدعة في دينه أو يلقى الناس بوجهين أو يمشي فيهم بلسانين أعقل ذلك فإن المثل دليل على شبهه ) إن من الأمور المحكمة الثابتة التي لا ريب فيها المنصوص عليها في القرآن الكريم التي لا تحتمل التأويل والتي لا نسخ فيها ولا تخصيص والتي عليها يكون الثواب وبتركها العقاب وبها يتحقق رضى اللّه وبدونها يغضب اللّه ولا ينتفع عبد بعمل يعمله مهما كان ذلك العمل جيدا ومهما أخلص فيه لا ينفعه ذلك ويدخل النار إذا خرج من الدنيا بهذه الأمور ولم يقلع عنها ويتب منها وهذه الأمور هي : 1 - أن يشرك باللهّ فيما افترض اللّه عليه من عبادته : أشار إلى الرياء في العبادة التي هي شرك حرمه اللّه فإن اللّه لا يقبل عملا يكون له ولغيره قال تعالى : فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ ربَهِِّ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ ربَهِِّ أَحَداً .
2 - أو يشفي غيظه بهلاك نفس : فهذا يغضب وإذا غضب لا يهدأ إلا بقتل النفس التي أغضبته أو غيرها وهذه كبيرة تؤدي إلى النار قال تعالى : وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فجَزَاؤهُُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلعَنَهَُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً .
3 - أو يعرّ بأمر فعله غيره : أي يفعل أمرا مشينا ثم يقذف به غيره .
4 - أو يستنجح حاجة إلى الناس بإظهار بدعة في دينه : أي يروم حاجة من أحد الناس فيظهر بدعة في الدين من أجل ذلك ويقول ابن أبي الحديد : « كما يفعل أكثر الناس في زماننا » وأقول : ليته يرى ما نحن عليه الآن ليعمم حكمه ولا يستثني إلا ما قلّ ممن يعد على الأصابع وإلا كيف نفسر سكوت القيادات الدينية عن الانحرافات التي تجري في المجتمع وكيف تشارك هذه القيادات في الأنظمة الظالمة التي تقهر الإنسان وتمارس عليه أبشع أنواع الظلم وتمسخ أحكام الإسلام بل تلغي أحكامه وتشريعاته وتمنع من العمل بها . . . 5 - أو يلقى الناس بوجهين أو يمشي فيهم بلسانين : وهذا أقبح ما في الإنسان أن يطريك حاضرا ويذمك غائبا يثني عليك في وجهك ويقدح بك في قفاك ، يضحك لك
شرح نهج البلاغة — صفحة 491
مساهمون: السيد عباس علي الموسوي
ص٤٩١