( اصطفى اللّه تعالى منهجه وبيّن حججه من ظاهر علم وباطن حكم لا تفنى غرائبه ولا تنقضي عجائبه ) اختار اللّه طريق الإسلام من بين الطرق وأظهر أدلته وبراهينه التي تثبت صحته وتدل على أحقيته من علم ظاهر ومن حكمة باطنة يستكشفها اللبيب بعقله ويقوده إليها منطقه السليم ، لا تفنى أموره الغريبة ولا تنتهي عجائبه فقد عاد الإنسان بعد تطواف طويل وبحث وتنقيب إلى الإقرار بعظمة الإسلام وحضارته وما جاء به من تشريع وتقنين ولم يستطع هذا العقل إلا أن يعترف بأن الإسلام دين العقل الذي يحارب الجهل والأمية وكل شعوذة وانحلال . . . ( فيه مرابيع النعم ومصابيح الظلم ) الضمير يعود إلى القرآن وقيل : إلى الإسلام . . . وقد شبهه بالأمطار الربيعية التي تنعش الزرع وتبعث الخير ولا شك أن القرآن ينعش القلوب ويحركها ويبعث فيها الحياة ويدفع الناس إلى العمل الصالح والدفاع عن المستضعفين وكذلك هو ينير الدرب ويكشف بتعاليمه الجهل ويرفع الغشاوة عن العيون فهو مصباح القلوب وكاشف ظلماتها وسوادها ورافع جهلها . . . ( لا تفتح الخيرات إلا بمفاتيحه ولا تكشف الظلمات إلا بمصابيحه ) أي خير لا يكون إلا عن طريق القرآن ، وما فيه من أدلة وبراهين موصلة إلى اللّه ودالة عليه هي التي تفتح أمام الإنسان طرق النجاة .
وكذلك لا تكشف ظلمات الجهل ولا ترفع الغشاوة عن البصائر والأبصار إلا بما ورد فيه من تعاليم وأحكام لأنه الخطاب الإلهي لهذا الإنسان ودليل السعادة ومفتاح النصر ، ومن طلب الخير لن يدركه في غير كتاب اللّه وتشريعه وما جاء فيه ومن طلب كشف الجهل فلن يكشف جهله إلا في هذا الكتاب الكريم الشاهد على ذلك ما حققته أمة الإسلام من عز ونصر وكرامة وفتح يوم تعلمته وعملت به وكيف انهزمت في كل مجالات حياتها يوم تركته وتخلت عنه وهجرت العمل به . . . ( قد أحمى حماه وأرعى مرعاه فيه شفاء المستشفي وكفاية المكتفي ) أراد بحماه محارمه فمنع بنواهيه وزواجره أن تستباح محارمه وكذلك هيأه لأن يرعى أن يسر أحكامه وآدابه وشرائعه حيث إنه أنزله بلسان عربي مبين نفهمه ونفقهه . . . وفيه شفاء لمن أراد الاستشفاء قال تعالى : وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وفيه أيضا الكفاية لكل من أراد الاكتفاء من كل شيء . . . فيه الكفاية لمن طلب العز والكرامة وفيه الكفاية لمن أراد أمجاد الدنيا وفيه الكفاية لمن أراد الآخرة . . .
شرح نهج البلاغة — صفحة 484
مساهمون: السيد عباس علي الموسوي
ص٤٨٤