( ومن قال : « كيف » فقد استوصفه ) كيف استفهام عن الكيفيات من الألوان والطعوم والأشكال والمعاني ونحو ذلك وهذه لا يسأل عنها إلا الأجسام التي تتشكل بهذه الأمور واللّه منزه عن ذلك إذ هو الغني بذاته وليس له صفة زائدة ليسأل عنها . . . ( ومن قال : « أين » فقد حيزه ) « وأين » استفهام عن المكان والجهة ومن استفهم عن شيء بها فقد حجمّه وحيزّه وحصره وكل ذلك من صفات الأجسام وهو سبحانه منزه عن ذلك . . . ( عالم إذ لا معلوم ورب إذ لا مربوب وقادر إذ لا مقدور ) هذه الأوصاف من خصائص اللّه وصفاته لأنه العالم بالأشياء قبل وجودها عالم متى توجد وأين توجد بل عالم بذاته حيث لا شيء في الوجود وهو رب الأشياء ومالكها والقادر على إيجادها فقد كان كذلك ولم تكن هذه ويبقى كذلك وإن فنيت هذه . . . ( قد طلع طالع ولمع لامع ولاح لائح واعتدل مائل واستبدل اللّه بقوم قوما وبيوم يوما وانتظرنا الغير انتظار المجدب المطر ) قالوا : إن هذه الخطبة خطبها إثر مقتل عثمان حينما صارت الخلافة إليه .
والجمل : طلع طالع ولمع لامع ولاح لائح كلها يراد بها معنى واحد وهو عود الخلافة إليه وقيل : إن قوله طلع طالع عود الخلافة إليه ولمع لامع ظهور من حيث هي حق ولاح لائح يراد به ظهور الحروب والفتن الواقعة بعد انتقال الأمر إليه . . . ثم قال : « واعتدل مائل » أي استقام ما كان عليه أمر الخلافة والناس من الاعوجاج والظلم والتعدي . . . استقام الأمر واعتدل برجوع الخلافة إليه وقد كانت المظالم سارية في جميع أوصال المجتمع في عهد عثمان وولاته .
وأشار بقوله : « واستبدل اللّه بقوم قوما وبيوم يوما » إلى ما كان عليه عثمان وولاته من الظلم فقد ذهب عثمان وجماعته وجهازه الفاسد بكل ما حمل من ظلم وإثم واستبدل اللّه به قوما آخرين أتقى للهّ وأعمل بأمر اللّه أشار بهذا إلى نفسه الشريفة ومن معه من الولاة والأمراء وذهب يوم الظلم والجور وجاء يوم آخر فيه العدل والحق . . . ذهب يوم عثمان وحاشيته وجاء يوم علي وأصحابه وهو يتغاير مع أمس بكل خصوصياته وشؤونه . . . وأشار بقوله : « وانتظرنا الغير انتظار المجدب المطر » أشار بهذا إلى ما كان يتوقعه المسلمون وينتظرون حصوله . . . إنهم كانوا ينتظرون أن تتغير الأحوال ويسقط الحكم الظالم الذي لم يكن عثمان إلا ستارا تختبى ء وراءه العصابة الأموية وتحكم باسمه بالجور والظلم وتمارس خنق الحريات وتضطهد الأحرار والثوار وتأخذ كل من يريد لها النصيحة
شرح نهج البلاغة — صفحة 482
مساهمون: السيد عباس علي الموسوي
ص٤٨٢