تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 394

مساهمون:

ص٣٩٤
وهذا عكس الأعمى الذي لا يرى الآخرة أبدا بل يرى الدنيا فحسب فهذا يسعى للدنيا ويقتصر عليها ولا يتعدى نظره عنها بل على الدوام ناظر إليها مشتغل بها . وكذلك البصير يتزود منها للآخرة بينما الأعمى يتزود لها وفرق كبير بين من يتزود للآخرة بالأعمال الصالحة والخيرات وما ينفع الناس وبين ذاك الذي يتزود للدنيا فإنه يقطع أرحامه ويفسد المجتمع ويسعى في إضلال الناس وهكذا لأن زاد الدنيا للدنيا يخالف زاد الآخرة . . . ( واعلموا أنه ليس من شيء إلا ويكاد صاحبه يشبع منه ويمله إلا الحياة فإنه لا يجد في الموت راحة وإنما ذلك بمنزلة الحكمة التي هي حياة للقلب الميت وبصر للعين العمياء وسمع للأذن الصماء وري للظمآن وفيها الغنى كله والسلامة ) كل شيء يتكرر في حياة الإنسان يمل حتى الطعام اللذيذ على لذته إذا استمر على تناوله الإنسان ملهّ وكرهته نفسه إلا الحياة فإن الإنسان مهما طال عمره يتمنى أن يبقى حيا وتستمر به الحياة ، فالشيخ العجوز الذي أحنت السنون ظهره وأتلفت قواه وأتت على شهوته . . . هذا الهّم الفاني لا يمل الحياة ولا يسأم منها بل يطلب الاستزادة منها والبقاء فيها . وذلك لأنه لا يجد في الموت راحة ولا يجد فيما بعده حياة أحسن من حياته التي هو فيها وهذا مسوق للغالب من الناس الذين لم يقفوا على ما أعده اللّه للصالحين وإلا فإن أرباب المعرفة كالنبي والأئمة كانوا يرون الراحة كل الراحة فيما بعد الموت . . . ثم قال : « وإنما ذلك بمنزلة الحكمة » وقد اختلف فيما أشار إليه بكلمة ذلك فقال بعضهم : أشار إلى كلام كان قد تقدم عن رسول اللّه وأنه بمنزلة الحكمة وقال بعض : إنه أشار به إلى أن ما لا يجب أن يمل منه مثل الحكمة . . . وذهب ثالث إلى أن المراد « بذلك » الدنيا المفهوم من سياق الكلام وذكر في سياق تعليله أن في حب الحياة مصلحة وحكمة وهي البعث على الجد والاجتهاد . ثم وصف الحكمة التي هي عبارة عن العلم بحكمة الصانع وعلمه وما في الدار الآخرة بخصوصيات وآثار . إن الحكمة حياة للقلب الميت فالقلب الجاهل إذا نزلت عليه الحكمة فاهتدى من خلالها فإن ذلك حياة له . . . كذلك هي بصر للعين العمياء لأن الحكمة للجاهل تحصل له بها البصيرة فيدرك بها الأمور ويقف على حقائق الأشياء وذلك بمثابة البصر للأعمى . . .